آراء

نفط العصر!

مع حمى الاندفاع نحو تطبيقات الذكاء الاصطناعى، خاصة التوليدي منها، صنع العالم بحتمية التكنولوجيا ثروة جديدة يتصارع عليها أباطرة الثورة الصناعية الخامسة، ستكون محورًا للتنافس لسنوات حتى تُصاغ معادلة الرابحين والخاسرين، ومَن يتصدر ومَن يتأخر ومَن يدفعون الأثمان، كعادة التكنولوجيا وأحكامها على الواقع العالمى!.

تتسابق شركات التكنولوجيا لتغذية نماذجها اللغوية الكبيرة على البيانات، وكلما زادت هذه البيانات كانت نقطة تميز للأدوات التى تصنعها هذه المؤسسات فى السباق العالمى حول تطوير الذكاء الاصطناعى بكل ما يحمله من فرص!.

تُوصَف البيانات الرقمية بأنها الغذاء اليومى للذكاء الاصطناعى التوليدى لأنها ضرورية لتدريب الآلات الذكية وتطوير النماذج اللغوية الكبرى.

أصبحت الثروة هى البيانات، والصراع الشرس حول الحصول عليها لتغذية أدواتها للذكاء الاصطناعى، صار معلنًا، فجوجل تشكو فيسبوك لأنه اغترف محتوى موقعها يوتيوب دون إذن أو تصريح فى تعدٍّ على ما تملكه، وصناع المحتوى ووسائل الإعلام يقاضون كبرى شركات التكنولوجيا لأنها تسطو على معلوماتهم وبياناتهم فى خرق واضح لاتفاقيات الاستخدام العالمية وحقوق الملكية الفكرية!.

التنافس المحموم تسبب فى نضوب المعين، بل قل منسوب نفط الذكاء الاصطناعى أى المعلومات والبيانات، فتدريب هذه النماذج التكنولوجية الجديدة لجوجل وميتا يلزمه تريليون كلمة، فى حين أن ويكيبيديا الإنجليزية تتضمن فقط حوالى 4 مليارات كلمة!.

تعيش هذه الشركات فى كابوس الملاحقات القضائية، ولهذا تسعى لصياغة اتفاقات مع وسائل إعلام ومراكز أبحاث ومؤسسات معرفية لكى تحصل على البيانات والمعلومات المتوافرة لديها، خاصة من الكتب المرجعية، وقد وقعت أوبن إيه آى مع نيوز كورب، المؤسسة الإعلامية العملاقة، اتفاقًا للحصول على بياناتها بقيمة 250 مليون دولار، كما تعاقدت مع وكالة الأسوشيتدبرس بما يسمح لها باستخدام معلوماتها، التى تبدأ من القرن التاسع عشر، أما جوجل فتسعى فى هذا الوقت لشراء حقوق لأصوات وموسيقى من يونيفرسال ميوزيك لكى تدرب عليها نماذجها الجديدة.

فى قلب هذا الصراع، هناك حديث دائم عن جودة المعلومات المنتجة عبر هذه النماذج، ولهذا تبحث الشركات عن بيانات موثوقة وواقعية حتى تتجنب الانتقادات الموجهة إليها فيما يخص الدقة وتضليل الجمهور وحملات السخرية التى طالتها بسبب ما أنتجته أدواتها منذ إعلان مارد الذكاء الاصطناعى التوليدى نهاية عام 2022. ومنها ما حدث مع جوجل عندما أظهرت الميزة الجديدة للبحث عبر الذكاء الاصطناعى نتائج جدلية مثل أنه يجب أن تثبت البيتزا بالغراء حتى تبدو متماسكة.

سينتقل الصراع إلى منطقتنا العربية، فالزبائن المحتملون لهذه الأدوات الجديدة لشركات التكنولوجيا كثر فى منطقة من الأكثر استهلاكًا للإنترنت والمحتوى، ومن ثَمَّ ستتوجه إليها هذه المؤسسات للحصول على نفط العصر.

فمَن يمتلك نفطًا صافيًا خاليًا من الشوائب سيكون هدفًا مهمًّا، أما النفط الملىء بالشوائب والهنات فلن تكون لديه فرصة فى المنافسة على مثل هذه التعاقدات، التى ستكثر حول العالم فى ظل ثورة الذكاء الاصطناعى!.

البيانات نفط العصر الجديد، وهى مركز الصراع الذى سيكون مؤثرًا فى توجيه العالم ومسار تطوره، ومَن يملكها سيكون قد تحكم فى الاقتصاد وكذلك السياسة ومجالات أخرى، فهذه النماذج ستكون مصدرًا للمعرفة، وستعبر عمّن صنعها وعمّن يريد توجيهها، وبالقطع ستكون تعبيرًا جديدًا عن الفجوة بين العالم الأول وباقى العالم!.

علاء الغطريفي – المصري اليوم

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى