تحقيقات وتقارير

هل يستطيع السودان التصدي لمافيا الاتجار بالبشر؟

جهاز "المخابرات العامة" نفذ عمليتين في أسبوع وحرر 25 فتاة أجنبية... وموجات اللجوء المحيطة تفرض تحديات معقدة

فرض موقع السودان عليه أن يكون معبراً لعمليات التهريب والاتجار بالبشر، وذلك عبر شرقه وصولاً إلى الخرطوم، ثم مخترقةً الحدود إلى ليبيا، ثم البحر المتوسط، أو إلى مصر، عابرةً جزيرة سيناء ومنها إلى إسرائيل وأوروبا. وتنشط تجارة البشر في النقاط الحدودية بين السودان وليبيا، لكن أشدها نشاطاً عند الشريط الحدودي مع إريتريا، وبمخيمات لجوء الإريتريين والإثيوبيين شرق السودان.
في غضون أسبوع واحد، كشف جهاز المخابرات العامة السودانية عن عمليتين نفذتهما شبكات الاتجار بالبشر، ففي 22 مارس (آذار) الماضي، حرر الجهاز 25 فتاة أجنبية من قبضة تاجر بشر أجنبي في ضواحي العاصمة الخرطوم، وكانت الفتيات قدمن إلى السودان من بعض دول الجوار. وبعد أسبوع واحد وعلى بعد 400 كم من الخرطوم في ولاية القضارف التي تحدها من جهة الشرق ولاية كسلا والحدود السودانية الإثيوبية، تمكن جهاز المخابرات في الولاية في 31 مارس من إيقاف شبكة أخرى وتحرير 18 إثيوبياً من قبضتهم.

وتفرض موجات اللجوء العديدة المحيطة بالسودان تحديات غير مسبوقة ومعقدة، ففي ظل النزاعات المسلحة في منطقة القرن الأفريقي، ووسط وغرب أفريقيا، ظهر هذا العامل وما يتبعه من تحديات، وبالنظر إلى حاجات هؤلاء اللاجئين وضخامة عددهم ومحدودية الإمكانات، وصعوبة إيصال المساعدات إليهم، تتفاقم هذه المشكلة مع عجز المجتمعات عن استقبالهم وتوفير الدعم والحماية لهم.
تمتلك صورة اللجوء معنى مزدوجاً، إذ تسمح المأساة في هذه الحالة بأن يقفز السؤال الأخلاقي إلى سطح الحدث، عن علاقة عناصره ببعضهم، وهل هم ضحايا أم مشاركون في جُرم شبكات الاتجار بالبشر، من واقع أن العملية نفسها، سواء خُفف وصفها إلى تهريب أو عوملت كتجارة صريحة، فإنها تشكل وحدة عنصرين غير منفصلين.
ولا تقتصر أنماط تجارة البشر على هذا النوع ولو أنه أشهرها، إنما ظهرت أنماط أخرى مع انتشار التعدين الأهلي، وهو التنقيب التقليدي عن الذهب، وهو ما أدى إلى ظهور تجار يستغلون الشباب في هذه المهمة الشاقة، ومنها حفر الآبار، وهناك أيضاً ظاهرة انتشار أطفال من دول غرب أفريقيا، يسخرهم تجار البشر في التسول.

جريمة منظمة
تحيط بالسودان أسباب عدة للجريمة المنظمة، باعتبارها ظاهرة مرنة ومتغيرة، ويقع السودان محاطاً بالنطاق الذي صنفه “مؤشر الجريمة المنظمة العالمي لعام 2021″، إذ حصلت قارة أفريقيا في ما يتعلق بالجريمة المنظمة على 5.17 درجة، وأتت في المرتبة الثانية بعد قارة آسيا. وأورد التقرير أن “ذلك انعكاس للاقتصادات غير المشروعة شديدة الانتشار والمتنوعة التي رسخت جذورها في القارة، ومنها الاتجار بالبشر الذي يشكل سوقاً إجرامية له أكبر تأثيراً في أفريقيا. ومن بين 54 دولة أفريقية، قُيمت 30 دولة على أن لديها سوقاً للاتجار بالبشر لها تأثير كبير، ما يدل على نشاط هذا الاقتصاد غير المشروع”.
وأرجع التقرير ذلك “للصراعات في القارة، إذ سُجل في عام 2019 حوالى 25 صراعاً مستمراً، وتعرضت البلدان في أغلب أنحاء القارة في العام التالي 2020 إلى هجمات مسلحة وحركات تمرد متواصلة”. ووصف العلاقة بين الجريمة المنظمة والصراع بأنهما يعزز كل منهما الآخر. وأظهرت نتائج المؤشر أن الاتجار بالبشر على رأس الجرائم المنظمة، يليه الاتجار بالأسلحة والاتجار بالموارد غير المتجددة، ثم تجارة المخدرات.
وفي تقريرها لعام (2020-2021)، أوردت منظمة العفو الدولية أن “النزاعات المسلحة في شرق وغرب أفريقيا طورت من أنماط انتهاكات حقوق الإنسان وتحدي القانون الدولي والإنساني، وأصبح الاتجار بالبشر أحد أبرز السمات المشتركة لهذه النزاعات”. وأشارت المنظمة إلى أن “أعضاء الميليشيات والجماعات المسلحة والعصابات المنتشرة تمارس الاتجار بالبشر على نحو ممنهج، وأغلب ضحاياهم من اللاجئين والمهاجرين الذين يتعرضون لأوضاع احتجاز تتسم باللاإنسانية والاكتظاظ في نقاط تجمعهم. ويتعرضون لأصناف شتى من العمل القسري والتعذيب والاغتصاب، وغيره من ضروب العنف الجنسي، وتتعرض النساء والفتيات لخطر أشد منه”.

سيولة أمنية
اللواء ركن أمين إسماعيل مجذوب، خبير إدارة الأزمات والتفاوض بمركز الدراسات القومية في الخرطوم، يقول إن “هناك سيولة أمنية تضرب بأطنابها في البلاد، وتسبب فيها انصراف الأجهزة الأمنية عن مهامها الأساسية نتيجة لعدم الاستقرار السياسي”. مضيفاً “الأصل في الدول أن تكون لديها خطط استراتيجية أمنية وتتحمل مسؤولية الأمن الشامل، سواء أكان أمناً سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً، وأن تتنبأ بالأزمات الداخلية، أو تلك الناتجة من أحداث إقليمية، وتدير الأزمة على هذا الأساس. لكن من الواضح أن معاناة السودان من السيولة الأمنية غيب جزءاً مهماً من القوات الأمنية بجانب ظهور العناصر الإجرامية في المدن والمناطق الطرفية”.
وأضاف خبير إدارة الأزمات أن “الاتجار بالبشر يسبب إزعاجاً للحكومة باعتبار السودان دولة عبور، وقد نشط في العشر سنوات الماضية من الدول المجاورة في الشرق، مروراً بالصحراء الغربية إلى ليبيا، ومنها إلى الساحل الليبي نحو أوروبا”.
وتابع، “منذ سنوات ينفذ السودان حملات كبيرة مكونة من جهاز المخابرات العامة والشرطة وقوات الدعم السريع، بالاشتراك مع الاتحاد الأوروبي، لإيقاف مثل هذه الأنشطة، لكن هذه العصابات تستفيد من الأوضاع الحالية في العودة مرةً أخرى لإرسال المواطنين من دول الجوار عبر الأراضي السودانية. وما أنجزه فريق المخابرات العامة في القضارف بالقبض على هذه الشبكة، يعكس تطوراً في الرقابة والمتابعة، خصوصاً الاستفادة من الأجهزة التقنية الجديدة التي أدخلت أخيراً لمحاربة هذه العصابات”.
ورأى مجذوب “ضرورة استمرار التعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجال التدريب والإمداد بالمعدات الفنية لمراقبة هذه العصابات وإغلاق الطرق السودانية جميعها أمامها، حتى لا يسوء الوضع ويصبح السودان في يوم من الأيام دولة مصدر وليست دولة عبور، ما من شأنه أن يلقي بمسؤولية كبيرة على الأجهزة الأمنية والحكومة”.
وتابع، “التصدي للاتجار بالبشر، يكون عبر تفعيل سبل الوقاية بإشاعة الأمن، خصوصاً المجتمعي، لأن اللجوء إلى هذه الجريمة يكون بدافع استغلال التجار للثغرات الأمنية والقانونية، ومحاولات هروب الضحايا من واقعهم بسبب العطالة، فيتجهون إلى تنظيمات هذه العصابات رفضاً للمجتمع وأملاً في تحقيق أحلامهم”.

تسلسل العملية
من جهته، ذكر العمدة أحمد هبناي، قاضي المحكمة العامة في بورتسودان أن “الاتجار بالبشر كان نشطاً عبر البحر الأحمر إلى السعودية بواسطة المراكب التقليدية (السنبك)، وكانت تمارسه قبيلة سودانية معينة، لكن بتعاون بعض الجهات ودعم المملكة بتقديمها عدداً من اللنشات للجمارك السودانية، إضافة للتمارين المشتركة بين القوات البحرية السعودية والسودانية، حد ذلك من تهريب البشر عبر السواحل السودانية للمملكة، ووقف لفترة، لكنه يعود بين الفينة والأخرى”.
وأضاف هبناي “على الرغم من حذر هؤلاء المهربين، فإنه قُبض على عدد منهم كانوا على وشك إتمام عمليات اتجار وتهريب كاملة، وحُوكموا في محكمة سواكن. وأسهم هذا التعاون في خفوت هذا النمط، إلا من حالات قليلة يُقبض فيها على المتاجرين من جنسيات مختلفة، منهم سودانيون ويمنيون وإريتريون وصوماليون”.
وأوضح “بعد مكافحة تجارة البشر عبر البحر الأحمر، نشط التسلل من معسكرات اللجوء إلى مدينة القضارف، حيث يعمل الضحايا خدماً في المنازل لحساب التجار، وتُهرب أعداد إلى المدن الأخرى بالشاحنات، ويُحدد ثمن الشخص حسب العرض والطلب. أما القوانين التي تُحاكم على ذلك فهي الهجرة والجنسية، وعقوبتها السجن والغرامة والترحيل إلى بلاده”.
وتابع القاضي هبناي، أن “التهريب من معسكرات اللجوء لغرض الاتجار بالبشر له نوعان عبر شبكات إجرامية محددة مكونة من جنسيات معروفة وقبيلة تنشط في هذه التجارة. النوع الأول أن يدفع اللاجئ مبلغاً من المال بالدولار حسب الاتفاق، ويمر بثلاث مراحل، المرحلة الأولى خروجه من المعسكر بالتسلل، وفي المرحلة الثانية يُسلم إلى آخرين لاستخراج أوراق ثبوتية، مثل بطاقة لاجئ أو رقم وطني وهذا أيضاً مدفوع الثمن. ثم المرحلة الثالثة تُرتب له المركب عبر البحر، وإذا قُبض على هذه المجموعة يُحاكمون جميعاً بمن فيهم اللاجئون. أما النوع الثاني فيمر بنفس المراحل إلا أنه يكون من دون علم اللاجئ، لأنه يُستدرج لبيع أعضائه ويكون ضحية، فإذا تم القبض عليهم يحاكم التجار ولا يُحاكم اللاجئ”.

اتخاذ التدابير
ومن ميناء بورتسودان، أفاد اللواء بحري ركن معاش، أحمد دراج سرور، أن “الموقع المميز للبحر الأحمر وربطه بين قارات ثلاث، ونشاط حركة السفن والتجارة بين الدول المطلة والبلدان الأخرى، هو ما شجع على بروز ظواهر عدة، منها التسلل عبر الحدود البرية والبحرية، وترتب عليها كثير من المشكلات الإدارية والمسؤولية الجنائية والآثار القانونية”. وأضاف “ظهر الاتجار بالبشر بشكله الحديث بعد تطور ظاهرة التسلل عبر المنافذ الحدودية واتخاذها أشكالاً عدة نتيجة للصراعات الإقليمية والداخلية. وتطورت أنماط تجارة البشر لتتخذ شكل تجارة الأعضاء البشرية التي راح ضحيتها أعداد من اللاجئين من دول الجوار. لكن ازدياد الرقابة الصارمة وتطور أجهزة الرقابة والمتابعة من الجهات المعنية داخل السودان وخارجه، قلص من هذه الظاهرة”.
وتابع، “على الرغم من الحملة المنظمة لمحاربة الاتجار بالبشر دولياً وإقليمياً ومحلياً، إلا أنها لم تختف نهائياً، وأصبحت تطل برأسها عبر الحدود البرية والبحرية بشكل جديد ومغاير لما سبق، وهي تهريب البشر من دول الجوار، بخاصة إريتريا وإثيوبيا، ونسبة الإناث أكثر من الذكور، وفي أعمار تتراوح بين 13-16 سنة. وأحبطت الجهات المعنية كثيراً من العمليات. وتبدو الجهود أقل من أن تحيط بهذه الظاهرة إحاطةً كاملة، إذ لا بد من اتخاذ جميع التدابير لمجابهتها، نسبة للظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد والأزمة السياسية الحادة”.

تعديل القوانين
لا توجد إحصاءات دقيقة لضحايا الاتجار بالبشر في السودان، وذلك بسبب تلاشي الحد بين تهريب المهاجرين وتجارة البشر بأنماطها المختلفة. ونسبة لنشاط حالات النزوح الداخلي من دارفور وزيادة عدد اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين من إريتريا وإثيوبيا والصومال، فإنه لا توجد أيضاً إحصائية ثابتة.

وعن الخط الدقيق بين قوانين مكافحة الاتجار بالبشر، أسست الحكومة السودانية في عام 2014 “اللجنة الحكومية لمكافحة الاتجار بالبشر”، بعد مصادقة البرلمان السوداني على قانون المكافحة الذي نص على “تنفيذ عقوبات تتراوح بين الإعدام والسجن من 5 إلى 20 عاماً، استناداً إلى مواثيق وبرتوكولات دولية كثيرة معنية بمكافحة الاتجار بالبشر، بخاصة المتعلقة بالنساء والأطفال”. وفي فبراير (شباط) 2021، أجرى مجلس السيادة الانتقالي تعديلات على مشروع قانون مكافحة الاتجار بالبشر.

في هذه الجزئية أوضح القاضي هبناي “تشكلت لجنة في وزارة العدل لتشريع قانون لمكافحة تهريب المهاجرين، لمحاسبة مجرمي الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، باعتبار أن المهربين يُحاكمون بقانون الهجرة، وهو إداري وليس جنائياً، وساعد التصديق على القانون الجديد في مكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، لكنه لم ينهها”.

 

تقرير – منى عبد الفتاح

جريدة اندبندنت

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية




زر الذهاب إلى الأعلى