تحقيقات وتقارير

دارفور.. تنامي الخلل الأمني

يعيش المواطنون بإقليم دارفور حالة من الشد والجذب والتوتر؛ مما خلق خوفاً من مستقبل مجهول، ظهرت مؤشراته في تنامي الخلل الأمني، وعودة الرعب والخوف في طرقات دارفور، جراء التفلتات الأمنية، وانتشار السلاح والعربات غير المقننة، يضاف إليهم الهم الأكبر، وهو تواجد قوات حركات الكفاح المسلح بداخل المدن لأكثر من سنة دون إجراء الترتيبات الأمنية والأيادي فوق الزناد، مع وعود لم تنفذ بالإيفاء بمبلغ (١،٣) مليار دولار للترتيبات الأمنية التي التزم بها المجتمع الدولي والمانحون لإجراء العملية السلمية فيما يخص جيش حركات الكفاح المسلح، بينما المطلوب من الحكومة السودانية (٧٥٠) مليون دولار من مبلغ التمويل الكلي للعملية السلمية، والبقية من شركاء السلام من دول ومنظمات.

تعدد الجيوش
عزا علي أحمد حمد الله، رئيس تجمع قوى تحرير السودان، ونائب رئيس الجبهة الثورية بجنوب دارفور ،الخلل الأمني بدارفور، إلى تعدد الجيوش والحكومات وتابع: (ما لم يكن هناك دمج للقوات وتوحيد للسلاح وتعريف الغاية من حمل السلاح)، مشيراً إلى وجود من يحمل السلاح، ولا يعرف أين العدو، بل يفترض عدواً ويضرب، وقال إن “الشعوب ترتقي بالقوانين”، مشدداً على ضرورة تقنين السلاح، وتعريف الغاية من حمل السلاح، وتابع: “ما داير أقول ترتيبات لأنها مفردة تم استهلاكها وأصبحت مسيخة، ولذلك أقول وضع تدابير لتوحيد السلاح”.

شلل المؤسسات
ولفت حمد الله إلى أن الأزمة ليست أزمة دارفور، ولكن التوصيف لها أزمة الدولة السودانية في دارفور ولا يمكن حل مشاكل السودان على طريقة معالجة جزء من المرض في الجسد العليل، وترك الجزء الآخر يعاني للاستمتاع بالألم، وهذا ما يحدث الآن في السودان، منوهاً إلى أن اللاعبين في دوائر اتخاذ القرار بالسودان الآن هم الأزمة في الدولة السودانية، لأن الدولة تتكون من مؤسسات (80%) منها مشلولة بشكل تام، ولا يوجد سبب للعمل بـ(20%) من طاقة الدولة بغياب الأجهزة التشريعية المكلفة أو المنتخبة والمحاكم الريفية، وهو جزء فعال في استتباب الأمن، منوها إلى أن قوى الحرية والتغيير دون وعي منها عطلت كل ذلك، بل مضت أكثر من ذلك بالإرهاب الممنهج لكل من خالفها، واتهامه بأنه كوز فحيدت (80%) من المجتمعات المحلية والريفية، بجانب غياب الإنتاج الفكري حتى في رأس الدولة في مجلس السيادي لا يوجد مبدع، مشيراً إلى أن حلول أمنية بمعزل عن الجوانب السياسية مصيرها الفشل ما لم تكون هناك إصلاحات قانونية ودستورية مع مشاركة المجتمعات وتابع: (ما مكن البلد تكون رهينة لـ(٦) أشخاص في مجلس الوزراء، و(١٣) في مجلس السيادة، بل حكومة الولايات رهينة للولاة دون غيرهم يتصرفون كما يشاءون)، وتابع: (ما هكذا تورد الإبل ويساق النعاج، إذا افترضنا أن الشعب أصبح نعاج).

صدام المزارعين والرعاة
قال الصحفي بدارفور، جعفر النجيب، إن الخلل الأمني الموجود الآن بدارفور لجملة أسباب أبرزها سبب بيئي لصدام المزارعين والرعاة بسبب قلة الموارد وتأثير الجفاف ،التقسيم الإداري للأرض على أساس القبائل أو الصراع على نظام الحواكير ،حكومات المركز المتعاقبة تشغل إنسان دارفور بقبيلته لتحقيق مكاسب خاصة بالأحزاب أو الحكومات ، انتشار الأمية في كثير من مناطق دارفور، تشريد الطلاب من المدارس حتى لا يكملوا تعليمهم، منوهاً إلى أن أنصاف المتعلمين أخطر على المجتمع من الأميين، وأجمل النجيب الحلول في جمع السلاح وتفعيل دور الإدارة الأهلية لحل النزاعات وسيادة حكم القانون.

الخلل الأمني
أشار مدير مركز دراسات السلام بجامعة نيالا، د. سعد الدين حسن، إلى أنه من المحزن جداً التحدث عن التفلت والخلل الأمني في الألفية الثالثة، وبعد ثورة ديسمبر المجيدة التي أعطت الأولوية للحرية والسلام والعدالة، فكانت الفرحة الأولى لكل الشعب السوداني وعندما تبنت حكومة الفترة الانتقالية الأولى عملية السلام كأول برنامج لها، وتوصلت إلى اتفاق سلام جوبا اكتملت الأفراح في المدن والبوادي والمعسكرات والكنابي، وكل أجزاء السودان وخاصة في مراكز دراسات السلام التي هيأت نفسها والمجتمع لبناء السلام المجتمعي الحقيقي، وتطبيق العدالة الانتقالية، ومن ثم الانتقال إلى التنمية المستدامة، ولكن وبكل أسف ظهر التفت وانتقلت أسبابه التقليدية المعروفة مثل سرقة المواشي والتعدي على المزارع إلى تفلت أشبه بفترة الثمانينات من القرن الماضي حيث عادت عمليات النهب المسلح والاغتيالات والتهديدات نهاراً جهاراً في المدن والطرقات، وهذه المرة لأسباب مختلفة ومتعددة تماماً.

تضارب المهام
وأرجع د.سعد الدين حسن مدير مركز دراسات السلام جامعة نيالا تعدد القوات وانتشار السلاح وتضارب المهام والمسؤوليات بين هذه القوات نفسها لعدم تنفيذ بند الترتيبات الأمنية في اتفاقية سلام جوبا التي أتاحت فرصة لكل جيوش حركات الكفاح المسلح بأن تأتي إلى داخل المدن بكل عتادها بدون أي التزامات مالية أو مرتبات تجاه هذه القوات، وهو أمر طبيعي أن يتصرف بعض الشباب في معزل، أو في تخفٍّ عن قادتهم لتلبية احتياجاتهم اليومية، وهذه الظاهرة أتاحت فرصة للمجرمين من غير التابعين لهذه الحركات باستغلال هذه الظروف، بجانب التراخي الأمني والقانوني من قبل الدولة التي أصبحت هي الأخرى في فراغ دستوري لفترة طويلة ولم يتم تشكيل هياكل الحكم على المستوى الاتحادي والولائي، وهذا الفراغ ساهم مساهمة كبيرة في غياب التشريع والمحاسبة، وبالتالي نتجت ظاهرة التفلتات، علاوة على انشغال قادة القوات الأمنية المنوط بهم حفظ الأمن بالجوانب السياسية بطريقة مباشرة، الأمر الذي جعل الوضع الأمني أكثر حدة وتعقيداً وخاصة في دارفور الكبرى.

العقيدة القتالية
قال محمد آدم مختار (حمادي توسا)، رئيس الجبهة الثورية، ورئيس حركة جيش تحرير السودان (المجلس الانتقالي) مكتب جنوب دارفور، إن أبرز أسباب الخلل الأمني في دارفور هو عدم تنفيذ بنود اتفاقية سلام جوبا وخاصة بند الترتيبات الأمنية وتكوين القوة المشتركة لحماية المدنيين، لجهة أن خروج البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي “يوناميد” أحدث فراغاً أمنياً كبيراً، بجانب كثرة الجيوش والمليشات المسلحة، عدم تكوين المفوضيات، اللجان الخاصة بالحقيقة والمصالحة والعدالة الانتقالية، وكلها أسباب للخلل الأمني، لأن الحرب في دارفور تركت آثاراً كبيرة بين المكونات الاجتماعية، ما يحتاج إلى رد المظالم إلى أصحابها ومحاسبة المجرمين، وعدم تكرار الإفلات من العقاب، منوهاً إلى أن واحداً من أهم الأسباب انتشار المليشيات المسلحة والدراجات النارية، مشدداً على ضرورة الإسراع في الترتيبات الأمنية ودمج كل القوات وبناء جيش وطني واحد بعقيدة قتالية واحدة.

بناء السلام
أكد د. النور جابر الكاتب الصحفي وأستاذ دراسات السلام بجامعة نيالا أن المشهد في دارفور شهد حالة من الهدوء النسبي فى الفترة الماضية بعد جهود بذلت من قبل حكومات ولايات دارفور المتعاقبة مع دور بارز للإدارة الأهلية وفعاليات المجتمع ساهمت هذه الجهود بالاضافة إلى ما قدمتها مراكز دراسات السلام في جامعات دارفور وبعض المنظمات من رفع قدرات المجتمعات المحلية ببناء القدرات في بناء السلام، كل هذه الجهود من الفاعلين أدت إلى حالة من الإستقرار رغم هشاشة الوضع الأمني، ولفت النور إلي أنه تلاحظ بعد ثورة ديسمبر ظهرت بعض الأصوات المطلبية التي كادت تحدث شرخاً في البناء الاجتماعي ذو صلة بمنظومة الأعراف وآليات احتواء ما يطرأ من خلل أمني وشعور الإدارة الأهلية بتهميش دورها، يضاف لحالة تنامي خطاب الكراهية وسط مجتمعات خارجة من صراع مميت تباعدت الثقة بين مكوناته مع انقسام المجتمع إلى مسميات (عرب، زرقة) ما يؤكد الهشاشة فى النسيج الاجتماعي بعد صراع دموي خلف نزوحاً ولجوء، موضحاً أنه بعد سلام جوبا استبشر المجتمع الدارفوري خيراً، رغم التحفظات، ولكن تأخر الترتيبات الأمنية يعد مؤشر غير جيد لقوات تحمل السلاح داخل المدن فى دارفور، وأحداث الفاشر واحدة من الخلل الذي يهدد مسيرة السلم الاجتماعي في دارفور، وبداية الخلل الأمني خاصة إذا خرجت هذه القوات للغابة دون ترتيبات، ما يعني الفوضى المسلحة في دارفور، علاوة أن قضايا النازحين هي الأخرى تحتاج لوقفة لأن الغبن الاجتماعي هو الآخر سبب لخلل أمني قد يحدث ودونكم أحداث معسكر زمزم بشمال دارفور، وانتشار السلاح في أيدي المواطنين والحركات المسلحة في ظل غياب الترتيبات الأمنية وهيبة الدولة، وغياب مؤسسات الحكم لثلاثة أعوام خلت، كلها إن لم تنتبه الحكومة السودانية الحاكمة اليوم، فهي مؤشرات انفلات وخلل أمني أكبر قد يكون الأسوأ في دارفور في قادم الأيام.

تقرير – محجوب حسون
الخرطوم: (صحيفة السوداني)

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى