تحقيقات وتقارير

الطيران المدني.. أين الحقيقة..؟!

 

المقصود هنا ليست (سلطة الطيران المدني) الجسم الرقابي، إنما قطاع الطيران المدني ككل، السلطة نفسها وشركات تقديم خدمات النقل. والاجسام المهنية الأخرى ذات الشريكة في هذا القطاع.
ففي الأيام الماضية خرج للشارع الصراع الدائر بين الغرفة القومية للنقل الجوي، واللجنة التسيرية للطيارين السودانيين من جهة وسلطة الطيران المدني من جهة. آخرى كانت ضربة البداية بخطاب أرسلته اللجنة التسييرية لاتحاد الطيران السودانيين في نهاية مارس الماضي لمدير سلطة الطيران المدني. وهي خطوة كشفت ان الصراع وصل لنقطة منغلقة، دفعت الطرفين لإدخال رأس هرم الحكومة وان يكون الخطابات المتبادلة بين الغرفة القومية للنقل الجوي وسلطة الطيران المدني بصورة الى رئيس الوزراء ووزارة الدفاع

نقاط الخلاف
بحسب خطاب صادر من الغرفة القومية للنقل الجوي معنون إلى مدير عام سلطة الطيران المدني، معلومية السادة رئيس الوزراء، وزير الدفاع، ورئيس مجلس إدارة الطيران المدني، ومدير شركة مطارات السودان القابضة، بتأريخ 10 ابريل الحالي إشارت الغرفة إلى أن لديهم أسباب تجعلهم يشعرون بالقلق على السلامة الجوية، وتحدثوا عن عوامل لها تأثير مباشر او عدم مباشر، تعرض السلامة الجوية للخطر. والعوامل هي:
حدوث خروقات للقانون، ضعف الرقابة وتراجع الأولويات، فوضى أضعفت هياكل السلطة وهمشت بعضها، ظهور نعرات مهنية وصراعات جانبية، خسارات مالية متراكمة من ضعف ايرادات التشغيل للشركات نتيجة لجائحة كرونا او الرسوم الباهظة المفروضة على التشغيل، تدهور البني التحتية، مثل تشقق المدرجات في بعض المطارات خاصة الاقليمية، ضعف الإنارة وتطم السياج، الأجهزة الملاحية غير صالحة وغير مطابقة للمعايير، اجهزة الاتصال ذات التردد العالي جداً (في إتش إف)ضعيفة ومشوشة، ضعف خدمات الارصاد الجوي وضعف خدمات الحركة الجوية.وختمت الغرفة خطابها بأن هذه العوامل تعتبر من المهددات الاساسية للسلامة الجوية، وان الخطاب لايجاد حلول عاجلة لتدارك الأمر قبل فوات الأوان بحسب تعبير غرفة النقل الجوي.

لفائدة القارئ
ولأن بعض ما ورد في الخطاب به مصطلحات ولغة خاصة بالطيران، فضلت ان اشرح بعض النقاط لتقريب الصورة للقارئ الكريم.
رغم تطور نظم الملاحة الجوية في العالم والوصول لنظم الملاحة التي تعتمد على الاقمار الصناعية، لكن لا تزال بعض الدول، والسودان من ضمنها، تستخدم اجهزة الملاحة الجوية الارضية والتي تعتمد بصورة اساسية على تقنيات الاتصالات الراديوية( اللاسلكية).
وهناك إشتراطات معينة لاسطح مدرجات الهبوط، وعند الاشارة إلى حدوث تشققات بمدرج ما، يكون المقصود تشققات بمقياس معايير الطيران وليس طرق المرور العادية.
وحديثا أصبحت معلومات الارصاد الجوي تبث صوتياً عبر موجة اتصال لاسلكي ويتم تحديثها على مدار الدقيقة، أي أنها آنية.

خطاب اتحاد الطيارين السودانيين
وكانت اللجنة التسييرية لاتحاد الطيارين السودانيين خاطبت مدي عام الطيران المدني، وعنونت الخطاب بـ(مهنية وإلتزام سلطة الطيران المدني بالقوانين). الخطاب كان في يوم 29 مارس الماضي.
إبتدرت اللجنة خطابها بالتأمين على ضرورة التعاون البناء بين كل شركاء صناعة النقل الجوي والطيران المدني. ثم اشارت الى عدم تعاون السلطة مع اللجنة، خاصة فيما يتعلق بخطاب ارسلته اللجنة قبل خمسة اشهر، يتعلق بالتعاون بين الجهتين، إبتداء بطرح حلول لمعوقات رخص الطيارين السودانيين والتي، حسب تعبير الخطاب، نتجت عن عدم التزام ادارة التراخيص بقوانين الطيران المدني المنصوص عليها في (SUCAR 1).

مهددات خطيرة
اللافت في خطاب اللجنة التسييرية لاتحاد الطيارين السودانيين، انها تحدثت بصورة محددة عن تحديات وعراقيل تواجه السلامة الجوية، وشرحت النقاط ولم تكتفي برؤس المواضيع.
أوضح الخطاب أن الأجهزة الملاحية غير صالحة وغير مطابقة للمعايير المطلوبة لتحديد موقع الطائرات، وتستعمل ايضا لاغراض تحقيق الفصل بين الطائرات في المطارات التي لا تعمل بالرادار. وكيف أن خدمات الرادار تتوفر فقط في مطار الخرطوم الدولي.
واتفقت لجنة اتحاد الطيارين السودانيين مع غرفة النقل الجوي في أن هناك تشويش وتداخل بين محطات الاتصال اللاسلكي التي تعمل بالموجات فوق العالية (في اتش اف). واوضحت ان خدمات الارصاد الجوي لم تعد موثوقة بسبب عدم وجود خدمة بث معلومات الارصاد الجوي التلقائي. وهي خدمة تقوم على بث هذه المعلومات بصورة تلقائية آلية. على موجة محددة.

واحدة من أخطر النقاط التي وردت في خطاب اللجنة التسيريية لاتحاد الطيارين السودانيين الموجهة لمدير سلطة الطيران المدني، كانت عدم وجود خرائط الاقتراب والمغادرة للمطارات. واوضح الخطاب أن عمليات المطار تقتصر على ظروف الرؤية التي لا تقل عن خمسة كيلومترات.
لفائدة القارئ عادة يوجد لكل مطار برتكول معين يكون منشورا عالميا يحدد طرق الاقلاع من اي مطار، وطرق التقرب للهبوط في اي مطار. تعتمد هذه البرتكولات على عوامل مختلفة بحسب موقع المطار المعني ووجود مرتفعات حوله ونوع الاجهزة الملاحية المتوفرة بالمطار المعني.
ووصف خطاب اتحاد الطيارين السودانيين المطارات بانها ذات تصميم غير عملي يؤثر سلبا على انسياب الحركة الجوية، كما ان حالة المدارج غير جيدة، ولا توجد اضاءة بها او بممرات الاقتراب وغير منشورة في الخرائط.
وقالت اللجنة ان هناك ضعف في ثقافة السلامة ونظام غير فعال عن الابلاغ عن التي تؤثر على السلامة. كما انه لا يوجد تأمين لسياج المطارات وتوجد اعداد كبيرة من الطيور بالقرب من المطارات الشيء الذي يهدد سلامة الطيران

تصعيد خطير
ورغم أن خطاب اللجنة التسييرية لاتحاد الطيارين السودانيين كان معنون فقط لمدير عام سلطة الطيران المدني، بدون أي صورة للجهات التنفيذية العليا، إلا أنه حمل مؤشر خطير بنقل الملف إلى الجهات الدولية الرقابية مثل، منظمة الطيران المدني الدولية (ايكاو) والمنظمة الدولية لإتحاد طياري الخطوط الجوية (ايفالبا.
بحسب القانون تقوم منظمة الطيران المدني الدولية (ايكاو) بالتفتيش الدوري على سلطات الطيران المدني في الدول الأعضاء. وهناك نوعان من التفتيش، تفتيش اجباري، وآخر غير اجباري. وبحسب متابعات التيار من المحدد ان تنفذ المنظمة زيارة تفقدية اجبارية لمراجعة الطيران المدني في السودان في يونيو المقبل. مع بروز أتجاه لبذل محاولات لاقناع المنظمة لتأجيلها لبعض الوقت،

وفي حال أن نفذت اللجنة التسييرية لاتحاد الطيارين السودانيين وعدها برفع الأمر للمنظمات الدولية المعنية بالطيران المدني، فالمتوقع ان يواجه السودان تبعات صعبة في حال أن ثبت لمنظمة الطيران المدني الدولية صحة الوقائع التي ساقتها غرفة النقل الجوي واللجنة التسييرية لاتحاد الطيارين السودانيين.
وبحسب خبير في صناعة النقل الجوي فضل حجب اسمه، يمكن ان يؤدي ذلك على اقل تقدير ان ترفض شركات التأمين التأمين على طائرات الخطوط الجوية التي تستعمل المطارات السودانية او حتى المجال الجوي السوداني، او ترفع تعرفة التأمين بصورة كبيرة بدعوى ارتفاع نسبة المخاطرة في الاجواء والمطارات السودانية. وكلا من السيناريوهين سيكون لهما تأثير سالب كبير على السفر من وإلى السودان.

وجهة نظر أخرى
ولسماع اكبر قدر من وجهات نظر اطراف صناعة الطيران المدني في السودان، أتصلت على بعض المراقبين الجويين والطيارين باعتبار أنهم هم من يواجهون فعليا التحديات والعراقيل التي تحدث عنها خطابي غرفة النقل الجوي واتحاد الطيارين.
إتفق من استطلعتهم على ضعف اجهزة الملاحة الجوية. وبعضهم أكد عدم وجود جهاز (في او آر/ دي أم إي) عامل في السودان إلا في مطار بورتسودان، ويحتاج لإعادة معاييرة وضبط.
لفائدة القارئ الجهاز المعني يعطي قياسات المسافة والاتجاه الطائرات منه وإليه عبر بث اشارات لاسلكية.
كما أشاروا للنقص الكبير في عدد المراقبين الجويين حالياً، خاصة أن تأهيل المراقب الجوي يحتاج لعدة سنوات، وهي مهنة ضاغطة عادة تتسبب في كثير من الامراض المتعلقة بطبيعة المهنة.

الطيران المدني ينفي
اتصلت بسلطة الطيران المدني عبر المتحدث الرسمي باسمها الذي بدوره وجهني للاتصال بالمدير العام، ابراهيم عدلان. بحسب تحديد المهام.
ارسلت رسالة لمدير عام سلطة الطيران المدني، طرحت عليه اسئلة تتعلق بما ورد في خطابي غرفة النقل الجوي واتحاد الطيارين السودانيين بالاضافة للتحفظات التي ذكرها لي بعض من تحدثت معهم من المراقبين الجويين والطيارين.
اظهر الرجل تعاون واضح معي، إلا أنه ارسل لي نسخة من رد سلطة الطيران المدني على خطاب الغرفة القومية للنقل الجوي. والذي حرره احد مساعديه.
قال فيه ان ما ورد في الخطاب لا يعتمد على مؤشرات علمية يمكن قياسها، كما ان به كثير من العموميات. وطلبت سلطة الطيران المدني من الغرفة توضيح الحالات التي تم فيها خرق القانون. واوضحت ان الغرفة كانت جزء من اللجنة التي وضعت الرسوم الجديدة، فكيف تنتقد هذه الرسوم.
وطلبت سلطة الطيران المدني من الغرفة القومية للنقل تحديد المطارات التي يوجد بها ضعف في المدارج او ثغرات في السياج تسمح بدخول الحيوانات.

خطاب بلا رد
بعد حصولي على رد سلطة الطيران المدني على خطاب الغرفة القومية للنقل الجوي، أتصلت بأمين عام الغرفة القومية للنقل الجوي، كابتن ودعة الله محمد، مستفسرا عن تعليقهم، خاصة ان ستة ايام مضت على تأريخ ارسال خطاب الطيران المدني إليهم (10 ابريل 2021).
يقول وداعة الله أن سلطة الطيران المدني جهة رقابية، وأن الغرفة من منطلق المسؤلية المهنية والوطنية ارسلت اضاءات لمؤشرات معينة تهدد سلامة النقل الجوي في البلاد، وفعلت ما يمليه عليها اخلاق المهنة والمسؤولية الوطنية. والكرة الآن في ميدان سلطة الطيران المدني وقبلها وزير الدفاع ورئيس مجلس الوزراء خاصة اننا ارسلنا صور من خطابنا المعني إليهما باعتبارهما الجهة التنفيذية التي يتبع لها الطيران المدني.

الوضع الآن
أمس الأول رفعت اللجنة التسييرية لاتحاد الطيارين السودانيين مذكرة لوزير الدفاع، شملت نفس النقاط السابقة أتهمت فيها سلطة الطيران المدني بعدم وضع السلامة كأولوية. وأعلنت فيه استعدادها للتعاون مع الطيران المدني السوداني في ظل خلق ثقة متبادلة في حال وجود تشجيع وآلية للقيام بذلك.
فيما يبقى ما اوردته الغرفة القومية للنقل الجوي واللجنة التسييرية لاتحاد الطيارين السودانيين يستحق الوقوف عنده بصورة جادة بعيدة عن اي اسقاطات اخرى. وربما على سلطة الطيران المدني أن تراجع نقاط القصور التي وردت في الخطابين. وقطعا الطيران مهنة لا تسمح بالتهاون والزمن فيها محسوب إلى أقرب (30) ثانية..نعم نصف دقيقة.
حوادث الطيران تحدث في اكثر الدول تقدما في العالم، لكنها أكثر في الدول التي تتسامح في تطبيق نظم الطيران. وربما لا يمكن الوصول إلى نقطة (زيرو) حوادث طيران، لكن مؤكد يجب أن نصل لمرحلة (زيرو) تهاون وان نحقق الدرجة الكاملة في توفير السلامة الجوية.حتى نجنب انفسنا وبلادنا تبعات قد تصل لتبعات (لوكربي) حال وقوع كارثة جوية.

تحقيق: علي ميرغني
الخرطوم: (صحيفة التيار)

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية




اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى