(سالمة) قطر .. هل تفك جمود العلاقات؟

لم يدر بخلد أحد أن تهرع دولة قطر لتقديم العون الدبلوماسي فيما يخص مفاوضات السلام، أو العون الإغاثي لمتضرري الفيضانات التي تضرب البلاد الآن، سيما وأن العلاقات بين البلدين أقل ما يمكن وصفها بأنها في مرحلة الجمود أو التوتر إن جاز التعبير منذ اندلاع الثورة، ورغم كل ذلك أعلن أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، تبرعه بـما يقدر بـ (13.7 مليون دولار) لصالح حملة أطلق عليها (سالمة يا سودان)، لنجدة السودانيين في مواجهة الفيضانات، و يفسر تلك المساعدات أن قطر تريد تأكيد حسن النوايا، ما يشي بفتح صفحة جديدة للعلاقات بين البلدين، وطي صفحة الماضي، الأمر الذي يطرح عدداً من التساؤلات في مقدمتها، هل الخرطوم ستمضي في اتجاه فتح صفحة جديدة مع قطر؟ وحال تم ذلك كيف يمكن للسودان أن يوازن بين علاقاته مع محور قطر تركيا، ومحور السعودية والإمارات ومصر من جهة أخرى.
*مساعدات متوالية
توتر العلاقة بين البلدين بدأ بعد إزاحة نظام البشير من الحكم، حيث إن المجلس العسكري رفض استقبال الوفد القطري برئاسة وزير الخارجية محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بعد وصوله إلى مطار الخرطوم، والذي بررته السلطات السودانية وقتها بأن الأعراف الدبلوماسية تتطلب التنسيق والاتفاق قبل الزيارة، وهذا ما لم يحدث من الجانب القطري.. بعدها لم يجر أياً من مسؤولي البلدين بزيارات متبادلة ما عدا زيارة يتيمة للمبعوث القطري مطلق بن ماجد القحطاني في الشهر الماضي التقى من خلالها برئيس الوزراء عبد الله حمدوك بالخرطوم، في إطار مفاوضات السلام السودانية، والذي وصف باللقاء النادر بين السودان وقطر منذ سقوط حكم الرئيس عمر البشير، كان القحطاني قد زار عاصمة دولة الجنوب قبيل لقاء الخرطوم، وأجرى مباحثات مع أطراف مفاوضات السلام، بدءاً من الوفد الحكومي والحركات المسلحة، وتردد أن القحطاني التقى رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان – وإن كان اللقاء تم بعيداً عن أعين الإعلام .
وعلى هامش اجتماعات الدورة الرابعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بحث رئيس الوزراء ، عبد الله حمدوك، مع أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، سبل دعم وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين.
كما يحسب لدولة قطر أنها دعت إلى إزالة جميع القيود التي من شأنها أن تعيق قدرة السودان على المضي قدماً في جهوده لتعزيز الرفاه لشعبه، واستكمال رفع جميع العقوبات الاقتصادية وإزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وجاء ذلك لدى كلمة ألقاها عبد الله السويدي بالوفد الدائم لدولة قطر بجنيف خلال جلسة (الحوار التفاعلي المعزز حول السودان) تحت البند العاشر المعني بتقديم المساعدة التقنية وبناء القدرات، ضمن جدول أعمال الدورة (44) لمجلس حقوق الإنسان، التي انعقدت بجنيف.
أما فيما يتعلق بالفيضانات فقد أضاءت قطر (برج اسباير زون) –وهو أحد أهم معالم الدولة الخليجية الغنية – بعلم السودان، تضامناً مع أهله في كوارث السيول والفيضانات .
فيما وصلت طائرة قطرية محملة بمساعدات طبية وغذائية، وتلتها مساعدات طبية وإغاثية من الهلال الاحمر القطري للأسر السودانية المتضررة من السيول والفيضانات، جاء معها شخصياً الأمين العام للهلال الأحمر السفير على الحمادي، وهو سفير أسبق للدوحة لدى الخرطوم، ومن أبرز مهندسي العلاقات المتميزة بين البلدين.
وكانت الإغاثة، ضمن حملة (سالمة يا سودان) والتي اختتمت بتبرع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد الذي أعلن تبرعه بـ50 مليون ريال من جملة تبرعات مواطني بلاده والتي بلغت في مجملها (89 مليوناً و669 ألفاً و812) ريالاً قطرياً، والتي كانت على الهواء مباشرة في التلفزيون والإذاعة القطرية .. هذه الحملة وجدت ترحيباً واسعاً من السودانيين والذين دشنوا هاشتاق (شكراً قطر حكومة وشعباً) .
* أمجاد سياسية
السفير السابق الرشيد أبو شامة يرى أن توتر العلاقات بين البلدين بدأ في نهايات عهد البشير، وقال رغم اتخاذ البشير وقتها موقفاً محايداً بين قطر ومحور السعودية والإمارات، إلا أن انحيازه إلى الجانب السعودي الإماراتي كان بائناً، بيد أنه من يحقق له المصلحة المنشودة، ويذهب الرشيد إلى أن التحركات القطرية الأخيرة الغرض منها استعادة العلاقات مع السودان مرة أخرى، في إطار المنافسة بينها و بين الجانب السعودي، في وقت استبعد فيه أبو شامة أن يكون لقطر أي مطامع تريد تحقيقها في البلاد، وقال إن قطر تسعى لتحقيق أمجاد سياسية، مستشهدا بالعون الذي تقدمه لشعب اليمن وغيرها من الدول.
وفي المنحى ذاته حذر السفير من دخول البلاد في عداء مع أي من الدول، ونصح بالعمل فيما تقتضيه مصلحة البلاد، سيما أن الحكومة الآن لديها قضايا كبيرة يجب العمل عليها .
*شعرة معاوية
و في ذات الاتجاه يمضي أستاذ العلوم السياسة والدراسات الاستراتيجية عبد الوهاب عثمان محمد كوكو الذي يرى أن قطر إحدى الدول التي تدير علاقاتها الخارجية بدراسة واستقراء للمستقبل السياسي والدبلوماسي الدولي، بمعنى أكثر وضوحاً إنها تمتلك رؤية مستقبلية لعلاقاتها الخارجية، وأكد أن البلاد الآن في وضع انتقالي يقودها إلى مرحلة جديدة تحمل احتمالات متعددة تحدد ملامحها بعد فترة الانتخابات، وهنا يرى كوكو أن من الذكاء الاستراتيجي، أن تحتفظ الدول بشعرة معاوية كما تفعل قطر، كوكو نادى بانتهاج ذات السياسة مع جميع الدول في العالم، ما يمكِّن البلاد من إدارة علاقاتها بذات الذكاء الاستراتيجي، حتى في حال وجود تقاطعات في علاقات الدول فيما بينها، مع الوضع في الحسبان مصلحة البلاد.
يجدر أن قطر كانت قد رعت اتفاق سلام دارفور في العام 2011م، الموقع بالدوحة، كما استضافت مؤتمر المانحين لدارفور في العام 2013م وحققت أموالاً طائلة قاربت الأربعة مليار دولار.
تقرير: أسماء سليمان
الخرطوم ( صحيفة أخر لحظة)