آراء

الممحاة حين تكتبنا

قال لصاحبه: «الممحاة صنعت لمن يخطئون». فأجابه: «بل صنعت لمن يملكون الشجاعة لتصحيح أخطائهم». وكأن الممحاة، وهي تزيل أثرا من الورق، تعيد كتابة شيء في صاحب القلم: علاقته بنقصه، وقدرته على احتمال الحقيقة حين تخالف صورته عن نفسه.

فأثقل ما في الاعتراف أن يقف الإنسان بين حق ظهر له، وصورة ألف أن يراها لنفسه؛ فيحسب أن سقوط رأيه يسقطه معه، وأن الرجوع يبدد مكانته. عندئذ يستقبل الدليل كأنه إهانة، ويعامل الناصح كأنه خصم، وينفق في حماية زلته ما كان يكفي لإصلاحها. وكلما طال دفاعه ازدادت كلفة الرجوع؛ لأنه سيعترف بالخطأ، وبما ارتكبه دفاعا عنه.
وقد يبلغ من خداع النفس أن يتخذ قدرته على تبرير فعله دليلا على سلامته؛ فيطالب بالتثبت كلما دانه الدليل، ويرضى بأوهى الشواهد حين تزكيه. وهكذا يستعير الهوى لغة الإنصاف، ويصبح العقل حارسا لما كان ينبغي أن يكشفه. ويضع القرآن الإنسان أمام الشاهد الذي يحاول إسكاته: ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة ۝ ولو ألقى معاذيره﴾ [القيامة: ١٤–١٥]؛ فقد يغير رواية الناس عنه، ويبقى عالما بما حذفه منها.

ويبدأ الصلح مع النفس حين يتسع نظر الإنسان إليها ليرى ضعفها وخيرها معا؛ فلا تختصرها زلة في عينيه، ولا يمنعه خيرها من الاعتراف بما أخطأت فيه. يتقبل ذاته وهي تتعلم وتتعثر، ويمنحها من الرفق ما يعينها على احتمال المحاسبة؛ فقبول النفس لا ينبغي أن يكون جائزة مؤجلة إلى يوم تخلو فيه من العيوب. وحين يأمن المرء على قيمته من أن تهدمها زلة، يصبح أقدر على مواجهتها، وأقل حاجة إلى الاحتماء بالأعذار.

ومن تمام هذا الصلح أن يستشير أهل الرأي والحكمة؛ يعرض عليهم ما التبس عليه، ويأذن لنصحهم أن يراجع ما استقر في نفسه. فالقرب الشديد من تجاربنا قد يحجب عنا بعض وجوهها، والكلمة الصادقة من حكيم قد تفتح طريقا أعيتنا رؤيته.

ومن هذا القبول يستمد صبره على التغيير؛ فيمضي في إصلاح نفسه متدرجا، ولا يشترط على البداية كمال النهاية. وكلما تعثر راجع طريقه واستأنف سعيه، مستعينا بالله، رفيقا بنفسه، جادا في إصلاحها. ويحتاج هذا الطريق إلى بصيرة ترتب مواضع الإصلاح؛ فثمة حق ينبغي رده، وكلمة تحتاج إلى تصحيح، وعادة يحتاج تغييرها إلى صبر طويل. وحين يعرف المرء ما يبدأ به، وما يعينه على الثبات، ويصبر على زمن التعلم والتدريب، تصبح المراجعة عملا يراه في حياته، ويستعيد به ثقته في قدرته على التغير. فالتقدم الصغير الذي يتكرر يربي في النفس صدقا لا تصنعه الوعود الكبيرة التي يعقبها الفتور.

وهكذا تستقر بينه وبين نفسه صحبة صادقة: يصحبها بالنصح حين تخطئ، وبالصبر حين تتغير، وبالرجاء حين تتعثر؛ وتبقى الممحاة إلى جوار القلم، شاهدة على أن في العمر متسعا للاستدراك، وأن ما بقي يستحق المحاولة.

د. أحمد المحمدي – الشرق القطرية

اسماء عثمان

محررة مسؤولة عن تغطية الأحداث الاجتماعية والثقافية، ، تغطي القضايا الاجتماعية والتعليمية مع اهتمام خاص بقضايا الأطفال والشباب.
زر الذهاب إلى الأعلى