آراء

الدين.. رغيف خبزنا الذى أرادوا تسميمه

كان الدين فى حياة المصريين طاقة خير، ورغيف خبز، ورغبة فى الإحسان، ونزعة للتعاطف، ونصرة للضعيف.. لكن هناك من أرادوا تحويله من سنبلة لقنبلة، ومن نبتة خضراء إلى سكين، ومن محبة إلى كراهية، ومن جوهر إلى مظهر، ومن عنصر وحدة إلى طريقة فرقة، كنا نرفع شعار (الدين لله والوطن للجميع)، لكن الإرهابيين أرادوا أن يكون الدين لهم والوطن للأعداء، ورغم أن الله خيب سعيهم إلا أنهم مازالوا يحاولون..عرف المصريون التدين منذ فجر التاريخ القديم، وبه انتظمت حياتهم، يزرعون ويحصدون، يعيشون فى الدنيا ويفكرون فى الآخرة، يعملون فى الحقل ويصلون فى المعبد ويرفعون عيونهم نحو الإله..علم الدين المصريين التسامح، والبهجة، والاحتفال بالآلهة وبمواسم الحصاد الحصاد المختلفة.. كان الدين فى مصر هو الحضارة وهو التحضر، أخضع الإسكندر المقدونى العالم كله ولكنه فى مصر سار ألف كيلو متر فى الصحراء كى يدخل فى ديانة المصريين، ويتم تعميده تابعًا من أتباع الإله (آمون).. كان تدين المصريين أقوى من الأسلحة والفيالق والجيوش لأنه كان محملاً بالحضارة ومحبة الحياة..حينما ظهرت المسيحية على حدود مصر وجد المصريون أن العذراء مريم هى النسخة الربانية من (إيزيس) الأم المقدسة وراعية الخصب والحياة فأقبلوا على الدين الجديد وصار للعذراء مكانتها فى نفوس المصريين جيلاً بعد جيل ودينًا جنب دين، جرت فى النهر مياه كثيرة والمصريون كما هم يؤمنون بدين الحب، والخصب والنماء، أحبوا آل البيت وحموهم وقدّروهم وانتخب الوجدان الشعبى (السيدة زينب)لتصبح (رئيسة الديوان) أو حاكمة عالم الأنوار والأرواح، ولتحمل لقب (أم العواجز) كما حملت العذراء مريم لقب (أم النور)..

حاول المحتلون أن يوقعوا بين المصريين وفق سياسة «فَرّقْ تسُد»، لكن العبقرية المصرية أدركت أن الوطنية ليست ضد الدين، حين تشكل الوفد المصرى للمطالبة بجلاء المستعمر كان عدد الأقباط فيه يكاد يساوى عدد المسلمين رغم ادعاء المستعمر أنه يريد حماية الأقليات، حين اختلف الأعضاء حول التشدد فى الموقف من الاحتلال انقسم الوفد إلى قسمين، ولم يكن غريبًا أن ينحاز كل الأقباط فى الوفد إلى جانب التشدد ضد الاحتلال بزعامة سعد زغلول، بينما بقى مسلمون كثيرون فى الجانب المعتدل والمتهم بالخضوع للإنجليز، وفى الشارع كان الناس يهتفون (يحيا الهلال مع الصليب).. مع التسعينيات هبت رياح السموم.. رياح سوداء قاحلة تمطر التعصب والإرهاب وتحاول أن تزرع الفتنة.. لكن الإرهاب سقط من على القمة وإن بقيت ذيوله فى القاع تحاول أن تزرع الفتنة.. مرة فى شكل شائعة ومرة فى شكل منشور.. ومرة فى شكل سبطان يتخفى فى صورة امرأة مثيرة.. فى شبابى نشرت على صفحات روز اليوسف تحقيقًا عن موالد السيدة العذراء كان عنوانه (من أم النور إلى أم العواجز..موالد الأقباط المسلمين)! والحقيقة أن العنوان كان ينقصه جملة أخرى تقول (وموالد المسلمين للأقباط) فالمصريون يحضرون المولد الأقرب لهم جغرافيًا سواء كان لقديس أو لولىّ صوفى لأن لغة الحب لغة واحدة.. وفى الوقت الذى كان هناك من يحاول إثارة فتنة على وسيلة تواصل اجتماعى كان مليون مصرى يحضرون الليلة الختامية لمولد العذراء فى درنكة بمحبة وسلام وأمن.. متجاورين متحابين.. ديننا الأصلى هو دين الحب.. أما الكراهية والبغضاء والفرقة فهى البضاعة التى حاولوا أن يصدروها إلينا، ألا ساء ما يمكرون.

وائل لطفي – بوابة روز اليوسف

اسماء عثمان

محررة مسؤولة عن تغطية الأحداث الاجتماعية والثقافية، ، تغطي القضايا الاجتماعية والتعليمية مع اهتمام خاص بقضايا الأطفال والشباب.
زر الذهاب إلى الأعلى