آراءأبرز العناوين

البيت الذي يخشاه الشيطان

كم ننفق على بيوتنا لتكون أكثر راحة وجمالًا! نختار أفضل الأثاث، وأحدث الأجهزة، وأجمل التصاميم، لكننا قد نغفل عن أهم ما يمنح البيت أمنه الحقيقي. فالبيت لا تُقاس قيمته بما يضم من متاع، وإنما بما يعمره من ذكر الله ووحيه. ومن هنا جاءت الوصية النبوية العظيمة: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة».

ولعل أول ما يلفت الانتباه في الحديث تشبيه البيت الخالي من القرآن بالمقبرة. فالمقابر أماكن انقطع فيها العمل، وسكن فيها الصمت، أما البيت الذي يخلو من تلاوة القرآن وذكر الرحمن، فإنه يفقد روحه وإن امتلأ بالحركة والضجيج. إن الحياة التي يتحدث عنها القرآن ليست مجرد نبض القلب، وإنما حياة الإيمان، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: 122]. إنها حياةٌ يصنعها الوحي، ويغذيها القرآن، ويثمرها العمل الصالح.

وسورة البقرة ليست مجرد سورة طويلة يقرؤها المسلم طلبًا للبركة، بل هي إعلان متجدد لسيادة منهج الله في الحياة. ففيها بناء العقيدة، وقصة الاستخلاف، وأخبار الأمم، وأحكام الأسرة، والعبادات، والمعاملات، والإنفاق، والجهاد، والصبر، والدعاء. إنها سورة تصنع الإنسان الذي يعبد الله على بصيرة، ولذلك كان حضورها في البيت إعلانًا بأن هذا المنزل تحكمه قيم الوحي، لا أهواء النفوس.

وليس من قبيل المصادفة أن ينفر الشيطان من البيت الذي تتردد فيه آيات سورة البقرة؛ فالشيطان لا يخشى الجدران، ولا الأبواب المحكمة، وإنما يخشى القلوب التي امتلأت بالقرآن، والبيوت التي أصبحت آيات الله فيها منهجًا للحياة، لا أصواتًا عابرة. إن القرآن حين يُتلى بتدبر، ويُعمل به، ويُربَّى الأبناء على هديه، يضيق على الشيطان مسالكه، لأن أعظم سلاح يملكه هو الغفلة، فإذا حضر الذكر انكسر سلطانه.

وقد ربط القرآن بين الذكر والسكينة ربطًا وثيقًا، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. والطمأنينة التي تبدأ في القلب لا تلبث أن تمتد إلى الأسرة كلها؛ فتخف الخصومات، وتزكو الأخلاق، ويغدو البيت بيئةً تحتضن الإيمان قبل أن تحتضن الأجساد.

إن الرسالة التي يحملها هذا الحديث أعمق من مجرد الحث على قراءة سورة البقرة؛ إنها دعوة إلى إعادة بناء البيت المسلم على أساس القرآن. فكلما ارتفع صوت القرآن في المنزل، انخفضت أصوات القلق والخوف، وكلما حضرت آيات الله في تفاصيل الحياة، ضاق مجال الشيطان واتسع مجال الرحمة. وحين يعود القرآن إلى بيوتنا، تعود إليها الحياة التي أرادها الله، ويصبح البيت حصنًا للإيمان، ومأوى للسكينة، ومنارةً تُخرِّج جيلاً يعرف أن أعظم زينة للبيت ليست ما يُرى بالعين، وإنما ما يُتلى فيه من كلام رب العالمين.

د. فاطمة سعد النعيمي – الشرق القطرية

اسماء عثمان

محررة مسؤولة عن تغطية الأحداث الاجتماعية والثقافية، ، تغطي القضايا الاجتماعية والتعليمية مع اهتمام خاص بقضايا الأطفال والشباب.
زر الذهاب إلى الأعلى