آراءأبرز العناوين

استهداف مكة.. خطيئة حوثية لا تُغتفر

مكة المكرمة ليست طرفاً في حرب، ولا خصماً في نزاع، ولا ساحةً يجوز أن تصل إليها الصواريخ والطائرات المعادية؛ إنها البلد الحرام وقبلة المسلمين، يتجهون إليها في صلاتهم كل يوم، ويقصدها الحجاج والمعتمرون من مختلف بقاع الأرض ليؤدوا عبادتهم آمنين مطمئنين. وهذا الأمن الذي ارتبط بمكة وقاصديها لا ينبغي أن تهدده حرب أو خلافات، مهما اشتدت الصراعات، فلهذا البلد حرمة تبقيه بعيداً عن ساحات النزاع وحساباته، وحين تقترب الصواريخ أو الطائرات المسيّرة من مكة، فإن الخطر لا يقف عند حدود حدث عسكري، وإنما يصل إلى مكان عظّمه الله وخصّه بحرمة لا يجوز المساس بها. قال تعالى: “وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا” [آل عمران: 97]، وقال سبحانه: “وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ” [الحج: 25]، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض)، فحرمة مكة قاعدة شرعية ثابتة، وقد ارتبط الأمن بهذا البلد منذ أن دعا إبراهيم عليه السلام ربه: “رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا” [البقرة: 126]. وحين تكون هذه منزلة مكة، يصبح وصول السلاح إلى محيطها أمراً بالغ الخطورة، فالخلافات مهما اشتدت، والحروب مهما طالت، لا ينبغي أن تجعل البلد الحرام جزءاً من ساحتها، ولا أن تجعل سكانه أو المعتمرين عرضةً لنتائجها.

فمكة لا تخص شعباً دون آخر، فالكعبة ليست قبلة السعوديين وحدهم وانما قبلة لجميع المسلمين، والمسجد الحرام ليس مقدساً لأهل مكة وحدهم، بل إن كل مسلم يرجو أن تطأ قدماه أرضها يوماً، وأن يطوف بالبيت ويصلي في رحابه آمناً مطمئناً. ولهذا فإن أمن مكة شأنٌ يعني المسلمين في أنحاء العالم كافة، وأي خطر يصل إلى محيطها يمس مكاناً يجتمعون على حرمته كل الأمم مهما اختلفت أوطانهم وألوانهم وألسنتهم.

وتكمن خطورة السلاح الحوثي في أنه أوصل هذا الخطر إلى محيط مكة، فلا قضية تبيح تعريض البلد الحرام للخطر، ولا خلاف يمنح جماعةً مسلحةً حق الاقتراب بسلاحها من أرض الحرم. وقد أعادت الولايات المتحدة في عام 2025 تصنيف جماعة الحوثيين، منظمةً إرهابيةً، كما أفاد تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن لعام 2024 أن المعلومات التي جمعها الفريق تشير إلى أن الحوثيين تلقوا مساعدةً تقنيةً وتدريباً وأسلحةً ودعماً مالياً من إيران وجماعات مسلحة عراقية معادية للمملكة.

إن حرمة مكة لا تتغير بحسب هوية من يحمل السلاح، فهي حرمة يجب أن يصونها الجميع. وأمام هذه الأخطار، تؤدي المملكة العربية السعودية مسؤوليةً كبيرةً في حماية الحرمين الشريفين وقاصديهما، فقد تصدت قوات الدفاع الجوي السعودي للتهديدات التي استهدفت أراضي المملكة، وسخرت الدولة مؤسساتها الأمنية والعسكرية وإمكاناتها لحماية مكة والمعتمرين والزوار، وتأمين سلامة القادمين إلى بيت الله الحرام من أنحاء العالم. وهذه الحماية لا تبدأ عند أبواب المسجد الحرام ولا تنتهي عند حدوده، بل تشمل أمن مكة وطرقها ومجالها الجوي وسلامة قاصديها، فبيت الله الحرام ليس ميداناً لتصفية الحسابات، والحرم ليس مكاناً لإرسال الرسائل العسكرية المسمومة، وأمن الحجاج والمعتمرين لا يجوز أن يدخل في حسابات أي صراع.

حفظ الله مكة المكرمة من عبث الفاسدين..

د. مها الدخيل – جريدة الرياض

اسماء عثمان

محررة مسؤولة عن تغطية الأحداث الاجتماعية والثقافية، ، تغطي القضايا الاجتماعية والتعليمية مع اهتمام خاص بقضايا الأطفال والشباب.
زر الذهاب إلى الأعلى