كيف حَالك؟!

يأتي كسؤالٍ عابرٍ في يوميَّاتنا، ليس نحن فقط، بل في كافَّة الجغرافيا العالميَّة، وبكلِّ اللُّغات واللَّهجات يتكرَّر يوميًّا ويصادفه الكثيرُون، إنَّنا نسمعه أحيانًا أكثر من أسمائنا في كلِّ لقاء مع أحدهم، ممَّن نعرف، وممَّن لا نعرف، ولكن رغم بساطته وسهولته وعبوره العشوائيِّ ونحن نصافحُ الآخرين يوميًّا، إلَّا أنَّه سؤالٌ في منتهى الصعوبة، يحمل في طيَّاته من التراكمات المعقَّدة الفكريَّة والثقافيَّة والإنسانيَّة والتاريخيَّة، ومع ذلك تأتي الإجابة -كثيرًا- سهلةً، بسيطةً، وغير مقصودة بما نضمرُه داخل صدورنا: بخيرٍ.. وأنت؟! وتتكرَّر على أسماعك ذات الإجابة.إنَّ لسان حالنا لا يصدقُ -أحيانًا- في الإجابة، فكلُّ إنسان منَّا محملٌ بمشكلاته الخاصة، وهمومه، وأحلامه، وطموحاته، وذكرياته، وأفراحه، وأوجاعه، وآماله، كلٌّ منَّا داخله من الوجع ما لا تحمله الجبال أحيانًا، سواء صغرت أسبابه أو كبرت، ولا تستطيع مصادرة هذه الأوجاع داخل الآخرين أيضًا مهما وجدتها تافهة أمام أوجاعك، إنَّها الطبيعة الإنسانيَّة، وقد قال اللهُ تعَالَى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ»، وسؤالٌ كهذا قد يحمل لك الطمأنينة لو كانت من شخص له معزَّة في قلبك، وأحيانًا يأتيك من أحدهم، ولا يمكنك الإجابة؛ لأنَّه هو ذاته سببٌ لمشكلاتك، مثل أنْ يكون رئيسك في العمل، فتسكتُ لحظةً، وتبتسمُ مجبرًا وتقول: (الحمدُ للهِ بخيرٍ)، وربَّما تضمر الإجابة الصادقة عن الآخرِين؛ خوفًا من حسدهم على ما تتمتَّع به من حظٍّ سعيدٍ فيما تحقِّقه من طموحات، وما رزقك اللهُ به، وتقول: (تمام)، وأحيانًا تجيبُ بغرورٍ وتكبُّرٍ إذا جاءك السؤالُ ممَّن تعتقدُ أنَّه أقلُّ منَّك، وتحسب أنَّك تضعُ حدودًا لبرستيجك، فتبتسمُ بثقلٍ دونَ إجابةٍ، وأحيانًا تجيب إجابةً روتينيَّةً ومجانيَّةً تنتهي مع انتهاء المصافحة (بخيرٍ الحمدُ للهِ).
ياااااه! كيف لسؤال بهذه البساطة، تأتي إجابته بروتينٍ يوميٍّ، ويكون سببًا لأنْ تكون كاذبًا، أو منافقًا، أو ساذجًا، أو مغرورًا ومتورِّمًا؟! كيف يمكن أنْ تكون إجابتك ليست عن قناعةٍ بأنَّ حالك فعلًا بخيرٍ، وإلى خيرٍ، وتجيب وأنت (نفسيَّة) عابسٌ وبطاقة سلبيَّةٍ!؟وممَّا يتم تناسيه، أنَّه مهما كان حالك، وظروفك جيِّدة كانت أو سيِّئة، فبكلِّ تأكيد هي الأفضل والأجمل والأكثر خيرًا لك، وينبغي أنْ لا تكون إجابتك جاهزةً وروتينيَّةً، بل نابعة من قلبك، فليس عليك سوى تأمُّل أحوال النَّاس لتعرف قيمة حالك، فلو كنت آمنًا مطمئنًا في بيتك، وعملك، ووطنك، وفي أتمِّ صحَّة وعافية، ومَن تحبُّهم كذلك وحولك، فأنتَ في أتمِّ الخير، وكما قال الحبيبُ المصطفَى رسولُنا الكريمُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: (مَنْ أصبحَ منكُم آمنًا فِي سربِهِ، معافًى فِي جسدِهِ، عندَهُ قوتُ يومِهِ، فكأنَمَا حِيزتْ لهُ الدُّنيَا) أي مَلَك الدُّنيَا ما دامت أركان النعم توفَرت لديه.وأخيرًا، كيف حالك؟
حليمة مظفر – جريدة المدينة
