آراءأبرز العناوين

الغباء الإنساني في عصر الذكاء الاصطناعي

في لحظة صفاء مع النفس، اكتشفت أنني لم أعد أعرف عاصمتي الحبيبة كما كنت سابقًا، فمنذ أن ظهرت خدمة خرائط قوقل Google Maps، لم أعد أركز في الشوارع ولا أسماء الأحياء ولا تفاصيل الطرق، بل أصبحت أقود وأنا أتبع سهمًا صغيرًا يتحرك على الشاشة، يوجهني يمينًا ويسارًا حتى أصل، دون أن أشعر بالمكان أو أحفظه، ولو تعطلت هذه الخدمة يومًا ما، سأكون تائهًا في الرياض، باستثناء الطرق التي دأبت على سلكها.

ومع تسارع أدوات الذكاء الاصطناعي، لم يعد الأمر يقتصر على الاتجاهات والخرائط، بل أصبح يمتد إلى تفاصيل أعمق في حياتنا، نحن لم نعد نحفظ لأن هناك من يحفظ لنا، ولم نعد نكتب كما كنا لأن هناك من يكتب عنا، من رسائل البريد الإلكتروني إلى التصاميم والإبداع، بل وحتى التحليل والتفسير وجمع المعلومات والمقارنة والصياغة، وكأن التفكير نفسه أصبح قابلاً للتفويض.

اللعبة تغيّرت؛ بعد أن كنا نعيش على مهاراتنا، أصبحنا نعيش على أدواتنا، وبعد أن كانت المعرفة تتطلب جهدًا وتراكمًا، أصبحت متاحة بضغطة زر، وبعد أن كان التفكير عملية إنسانية خالصة، أصبح قابلاً للاستعانة، وهنا يكمن التحول الأخطر، ليس في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في تراجع دور الإنسان داخله.

الأرقام تعكس هذا التحول بوضوح؛ تشير تقارير McKinsey إلى أن نحو 50 % من الأنشطة الوظيفية يمكن أتمتتها، كما يوضح تقرير PwC أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف 15.7 تريليون دولار للاقتصاد العالمي بحلول 2030، وفي جانب الاستخدام، أظهر تقرير Microsoft أن أكثر من 75 % من العاملين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في أعمالهم اليومية، ما يعني أن الاعتماد لم يعد استثناء بل أصبح واقعًا.

وفي التعليم، تشير الدراسات إلى أن الاعتماد المفرط على الأدوات الذكية قد يؤثر على مهارات التفكير النقدي، حيث تقل قدرة بعض الطلاب على التحليل المستقل مع الاعتماد على الحلول الجاهزة، وهو ما يثير قلقًا عالميًا حول مستقبل المهارات البشرية.

في وطننا الغالي السعودية، ومع تسارع التحول الرقمي ضمن رؤية 2030، أصبح المجتمع من الأكثر تفاعلًا مع هذه التقنيات، وتشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي سيسهم بأكثر من 135 مليار دولار في الاقتصاد الوطني بحلول 2030، وهو ما يعكس حجم الفرص، لكنه في الوقت ذاته يعكس حجم التحدي.

لكن التأثير لا يقف عند حدود الأرقام؛ بل يمتد إلى القيم والسلوك، حين نعتاد على الإجابة السريعة نفقد متعة البحث، وحين نعتمد على التحليل الجاهز تقل قدرتنا على التفكير، وحين نفوض الإبداع نخسر جزءًا من هويتنا، الأخطر من ذلك هو وهم الكفاءة؛ حيث يشعر الإنسان أنه قادر لأنه يمتلك أداة، بينما هو في الحقيقة يفقد تدريجيًا مهاراته.

وهنا يظهر البعد الأخلاقي؛ حين نعتمد على الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى أو اتخاذ القرار، من يتحمل المسؤولية، وهل نتحقق مما نستخدمه أم نكتفي بالنتيجة، الذكاء الاصطناعي لا يحمل قيمًا، بل يعكس من يستخدمه، وإذا غاب الوعي قد يتحول من وسيلة تمكين إلى أداة تضليل.

في النهاية، الغباء الإنساني في هذا العصر لا يعني ضعف العقول؛ بل التخلي عنها، ليس لأننا لا نستطيع التفكير، بل لأننا اخترنا الطريق الأسهل، وفي عالم يزداد ذكاءً كل يوم، تبقى القيمة الحقيقية في أن نحافظ على مهاراتنا، ونطور قدراتنا، لا أن نتخلى عنها لصالح الذكاء الاصطناعي.

م. هاني الغفيلي – جريدة الرياض

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



اسماء عثمان

محررة مسؤولة عن تغطية الأحداث الاجتماعية والثقافية، ، تغطي القضايا الاجتماعية والتعليمية مع اهتمام خاص بقضايا الأطفال والشباب.
زر الذهاب إلى الأعلى