لا تركض وراء أحد

من الخاصِّ، وصلنِي سؤالٌ من فتاةٍ تبحث عن معنى الصَّداقة الحقيقيَّة. كانت تقولُ إنَّها تحاولُ كثيرًا، تبادرُ، تعطِي، تقتربُ من النَّاس، لكنَّها في النِّهاية تشعر بالتَّعب، وكأنَّ كلُّ هذا الجهد لا يُقابل بنفس الصِّدق. تساءلت: لماذا لا نجد الأشخاص بسهولةٍ رغم أنَّنا نبحثُ بصدقٍ؟ ولماذا يتم التخلِّي عنَّا رغم طِيبتِنَا؟الحقيقة أنَّ المشكلة لا تكمنُ في الطِّيبة، بل في الطَّريقة التي يُبحث بها عن العلاقات. فالسَّعي المستمرُّ وراء النَّاس، ومحاولة كسب رضاهم بأيِّ شكلٍ، يجعل العلاقة غيرَ متوازنةٍ منذ البداية. عندما يتحوَّل الإنسانُ إلى طرفٍ يسعَى دائمًا، فإنَّه يضع نفسه في موقعٍ أضعف دون أنْ يشعر.
لا يعني ذلك الانعزال، أو إغلاق الأبواب، بل العكس تمامًا. المطلوب هو أنْ يعيشَ الإنسانُ حياته بشكلٍ طبيعيٍّ، دون ضغطٍ داخليٍّ يدفعه للبحث المستمرِّ عن القبول أو الرِّفقة؛ لأنَّ الصَّداقات الحقيقيَّة لا تُبنَى على السَّعي، بل على التَّوافق الذي يحدث دون تكلُّف.عندما يُترك الأمر بطبيعته، تتكوَّن العلاقات بشكل أكثر صدقًا. في بيئة العمل، أو الدِّراسة، أو حتى في المواقف اليوميَّة، تظهر بعض الشخصيَّات التي تشبهك في التَّفكير والاهتمام. هذا التَّشابه هو ما يصنع الرَّابط الحقيقي، وليس المحاولات المستمرَّة لإرضاء الآخرِينَ.
المبالغة في العطاء دون حدود، تؤدِّي إلى نتائجَ عكسيَّة. فالإنسانُ الذي يقدِّم نفسه بلا شروط، قد يجد نفسه في علاقات تستنزفه بدلَ أنْ تدعمه. لذلك، من المهم أنْ يكون هناك وعي بقيمة الذَّات، وأنْ لا تتحوَّل الطِّيبة إلى باب للاستغلال.
ليست كلُّ علاقة كُتب لها الاستمرار، وليس كلُّ رحيلٍ خسارةً. بعض العلاقات تأتي لتُعلِّم، ثمَّ تنتهي. بينما العلاقات الحقيقيَّة تستمرُّ؛ لأنَّها قائمة على التَّوازن، والاحترام، والتَّقدير المتبادل.
في النهاية، الصَّداقة ليست شيئًا يُلاحق، بل تجربة تنمُو بشكلٍ طبيعيٍّ عندما يكونُ الإنسانُ متصالحًا مع نفسه. وعندما يحدث هذا التَّصالح، يصبح وجود الأشخاص المناسبِينَ نتيجة طبيعيَّة، لا هدفًا يُسعَى إليه.* من النافذة:
لا تركضْ وراءَ الصَّداقاتِ… دَعهَا تأتيكَ.
فاطمة آل عمرو – جريدة المدينة
