آراءأبرز العناوين

في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة

في أيامٍ تتسارع فيها الأخبار، وتتزاحم فيها المنصات بالآراء، ويغدو الهاتف نافذةً لا تُغلق، يحتاج الإنسان إلى مرجعيةٍ ثابتةٍ تعيد ترتيب الداخل قبل الخارج. هنا تتجلى مركزية القرآن الكريم بوصفه كتاب هدايةٍ يربط الإنسان بربه، ويمنحه معيارًا أخلاقيًا يزن به ما يرى ويسمع. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9)، وهي آية تختصر وظيفة القرآن في تقويم المسار حين تختلط الاتجاهات.

ليست الهداية القرآنية وعظًا مجردًا، بل هي بناءٌ للوعي: وعيٌ بالحقائق، وبالسنن، وبحدود الإنسان ومسؤوليته. ففي زمن الاستقطاب واللغة الحادة، يعلّمنا القرآن أدب الاختلاف: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83)، ويضع قاعدة العدل فوق كل انتماء: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: 8). إنهما ميزانان يضبطان خطاب الفرد وسلوكه العام، في الأسرة والعمل والفضاء الرقمي.

وفي خضم القلق العالمي وتقلّبات الاقتصاد والصحة، يذكّرنا القرآن بأن الطمأنينة تنبع من صلةٍ ثابتةٍ بالله: ﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28). ليست الطمأنينة هروبًا من الواقع، بل قوةً على مواجهته؛ فالقرآن يدعو إلى الأخذ بالأسباب مع التوكل، وإلى العمل مع الأمل، وإلى الصبر بوصفه استراتيجيةً أخلاقيةً طويلة النفس.

ومن القضايا التي تتصدر المشهد اليوم: حماية القيم الإنسانية في عالمٍ رقميٍّ مفتوح. يقدم القرآن إطارًا يحفظ الكرامة والخصوصية، ويؤسس لثقافة التثبت من الأخبار: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: 6). كم من أزمةٍ كان يمكن تفاديها لو ساد مبدأ التثبت قبل النشر وإعادة الإرسال!

إن العودة إلى القرآن ليست عودةً إلى الماضي، بل استحضارٌ لمرجعيةٍ عابرةٍ للزمن، قادرةٍ على إضاءة الحاضر واستشراف المستقبل. حين نقرأه قراءة فهمٍ وتدبرٍ، ونحوّل قيمه إلى سلوكٍ يوميٍّ، يصبح القرآن قوةَ بناءٍ للإنسان والمجتمع معًا: يزكي النفس، ويهذب اللسان، ويقيم العدل، ويصنع الأمل. وفي زمن الضجيج، تبقى كلماته نورًا لا يخبو، وبوصلةً لا تضل.

د. فاطمة سعد النعيمي – الشرق القطرية

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



اسماء عثمان

محررة مسؤولة عن تغطية الأحداث الاجتماعية والثقافية، ، تغطي القضايا الاجتماعية والتعليمية مع اهتمام خاص بقضايا الأطفال والشباب.
زر الذهاب إلى الأعلى