آراءأبرز العناوين

الحرب الإيرانية وارتداداتها المحتملة على السودان

تبدو طهران وكأنها تخوض حرباً متعددة الميادين والمراحل ، بحسابات الردع والتوازن النفسي وإدارة الإيقاع الاستراتيجي. فإيران تاريخياً، تميل إلى ما يمكن وصفه بـ”الحرب المتحكمة” دون الانزلاق إلى الحرب الشاملة أي توجيه ضربات محسوبة تُظهر القدرة وتُبقي باب التفاوض موارباً.
التصعيد الإعلامي المصاحب للعمليات العسكرية يعكس معركة موازية على الرأي العالمي. فالحروب الحديثة، كما أثبتت تجارب فيتنام والعراق، لا تُحسم فقط في ميادين القتال، بل في ميدان الصورة والانطباع العام.
لذلك تحرص طهران على إظهار الضربات في توقيتات حساسة وبصيغ مفاجئة لتعظيم الأثر النفسي، خاصة داخل الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث يبقى الرأي العام عاملاً ضاغطاً على صانع القرار. غير أن الإفراط في الرهان على “الهزيمة المعنوية” للخصم يظل رهناً بقدرة إيران على تجنب ردود فعل تصعيدية قد تنقل الصراع إلى مستوى أعلى من المخاطر.
في المقابل، تبرز فرضية “الاستنزاف المتبادل” التي يستدعيها بعض المحللين الذين ظهروا خلال الأيام الماضية في عدد من القنوات الفضائية أو الذين كتبوا مقالات باستحضار تجربة ثمانينيات القرن الماضي.
صحيح أن التاريخ يقدم شواهد على استفادة الصناعات العسكرية الكبرى من إطالة أمد النزاعات، لكن إسقاط هذه القاعدة على الواقع الراهن يحتاج إلى قدر من الحذر المنهجي. فبيئة النظام الدولي اليوم أكثر تعقيداً، وتشابكات الطاقة والأسواق المالية تجعل كلفة الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة أعلى بكثير على جميع الأطراف، بما فيها الولايات المتحدة.
في المقابل تتحرك واشنطن داخل معادلة أكثر تعقيداً مما يبدو على السطح. فالإدارة الأمريكية ، تعمل تحت ضغط مزدوج: ضرورة الحفاظ على هيبة الردع العسكري من جهة، وحساسية الرأي العام تجاه الخسائر البشرية من جهة أخرى. التجربة الأمريكية منذ فيتنام وحتى العراق أظهرت أن صورة الجندي العائد في تابوت قد تكون أكثر تأثيراً من نتائج المعركة نفسها.

في قلب المعادلة تقف إسرائيل كلاعب أساسي يفضل أن تجري الأمور لصالحه دون خسائر. فمحدودية عمقها الجغرافي، وحساسية جبهتها الداخلية للصواريخ بعيدة المدى، واعتمادها الكبير على الغطاء الأمريكي، كلها عوامل تدفعها غالباً إلى تفضيل الضربات عالية التأثير بدلاً من الانخراط في حرب إقليمية طويلة الأجل. وهذا ما يفسر حتى الآن نمط العمليات الذي يميل إلى الجراحة الدقيقة أكثر من الانفجار الشامل.

أما دول الخليج، فهي اليوم أبعد ما تكون عن الرغبة في الانجرار إلى حرب مفتوحة، بعد سنوات من العمل على خفض التصعيد وتنويع الشراكات الأمنية والاقتصادية. لذلك فإن فرضية الاستنزاف لدول الخليج تبقى ممكنة نظرياً لكنها ليست مرجحة، في ضوء السلوك البراغماتي الذي اتبعته هذه الدول في السنوات الأخيرة. الأغلب أن هذه العواصم ستسعى إلى احتواء الحرب لا النفخ فيها، مع تعزيز دفاعاتها تحسباً لأسوأ السيناريوهات.
اقتصادياً ، تبقى أخطر سيناريوهات التصعيد مرتبطة بمضيق هرمز وأسواق الاقتصاد و الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد. أي اضطراب واسع في تدفقات النفط والغذاء قد يدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة.
بالنسبة للسودان فإن الارتدادات لن تكون بعيدة. ارتفاع أسعار النفط سيضغط مباشرة على فاتورة الاستيراد ويزيد الطلب على العملات الأجنبية، بما قد يغذي التضخم ويضعف الجنيه السوداني. لكن الوجه الآخر للأزمة يحمل فرصة كامنة :فالتاريخ الاقتصادي يبين أن أزمنة الاضطراب الجيوسياسي تدفع المستثمرين نحو الأصول الصلبة، وعلى رأسها الذهب.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يمتلك السودان البنية المؤسسية والرقابية التي تمكّنه من تحويل ارتفاع أسعار الذهب إلى مكاسب حقيقية، أم سيظل جزء كبير من الإنتاج يتسرب عبر قنوات التهريب المخزية؟
وفي البعد الاستراتيجي الأوسع، قد تبدو أفكار مثل توسيع تخزين النفط أو تعميق الشراكات مع الصين ومصر والعودة إلى ماليزيا خيارات واعدة، لكنها تظل رهينة بقدرة الدولة السودانية على توفير الاستقرار الاقتصادي واللوجستي اللازم. فالدول لا تستفيد من العواصف الإقليمية لمجرد قربها الجغرافي، بل بقدرتها على التخطيط الذكي وامتلاك أدوات التنفيذ.

داخلياً، يعيد التصعيد الإقليمي طرح السؤال القديم المتجدد حول بنية صناعة القرار في السودان. المطلوب ليس خطابات بقدر ما هو أفعال، تنسيق محكم بين مجلس السيادة، ومجلس الوزراء، والأجهزة الأمنية والخارجية، لصياغة موقف متزن يحفظ المصالح الوطنية ويقلل الآثار الاقتصادية المحتملة. التي تضع سلامة والمواطن في مقدمة الأولويات.

في هذا الإطار يكتسب انعقاد مجلس الأمن والدفاع الأحد برئاسة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أهمية في بحث تطورات الحرب الإقليمية بما يعكس تفاعل رسمي تجاه احتمال انتقال الارتدادات إلى الداخل، كما أن تأكيد الاطمئنان على الوضع الأمني يؤدي وظيفة مزدوجة: طمأنة الرأي العام ورفع درجة استعداد الحكومة. غير أن التجربة السودانية، مثل غيرها، تؤكد أن الاجتماعات الأمنية تظل خطوة أولى، بينما يبقى الاختبار الحقيقي في سرعة تحويل التقديرات إلى إجراءات تنفيذية ملموسة.
سياسياً، يظهر السودان ميلاً إلى التموضع الحذر والدعوة إلى تغليب الحوار، وهو خيار عقلاني في بيئة إقليمية شديدة السيولة. لكن التحدي يكمن في إدارة اقتصاد الحرب المتعلق: بمراقبة الأسواق ، حماية سلاسل الإمداد، وتعزيز التنسيق بين مراكز القرار. فكثير من الدول لا تُستنزف عبر التحولات، بل في فواتير الطاقة وتقلبات التمويل واضطراب التجارة.
بحسب #وجه_الحقيقة فإن إيران تدير المواجهة بعقلية النفس الطويل، فيما تتحرك الولايات المتحدة داخل معادلة ردع مقيدة باعتبارات الداخل. أما المنطقة فتقف على حافة توازن هش بين الاحتواء والانفجار. وبالنسبة للسودان، فإن اللحظة الراهنة، اختبار لقدرة الدولة على قراءة العاصفة قبل أن تصل رياحها. ففي زمن التحولات الكبرى، لا تنجو الدول بالأمنيات، بل بحسابات اليقظة، والمؤسسات الفاعلة، ورؤية حكيمة تعرف متى تتقي الريح… ومتى توظف العاصفة فرصة للبناء.
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



هبة علي

محررة بكوش نيوز تهتم بشتى جوانب الحياة في السودان والاقليم، تكتب في المجال الثقافي والفني، معروفة بأسلوبها السلس والجاذب للقارئ.
زر الذهاب إلى الأعلى