آراء

بالكبر يضعف النظر لكن الرؤية تتضح أكثر

جملة قصيرة تختصر رحلة عمر كاملة؛ رحلة تبدأ بالاندفاع وتنتهي بالحكمة، تبدأ بكثرة الأسئلة وتنتهي بقلة الحيرة.

حين نكبر، قد لا تعود أعيننا ترى التفاصيل الدقيقة كما كانت، وربما نحتاج إلى نظارة أو إضاءة أقوى، لكن ما ينمو في الداخل أعظم بكثير. البصيرة تتسع بهدوء، والعقل يتعلم أن يفرّق بين المهم والعابر، بين ما يستحق الوقوف عنده وما يكفي أن نمرّ به دون ضجيج.

في سنوات الشباب، نرى كل شيء مكبّرًا. الألم يبدو نهاية العالم، والخسارة كارثة، والاختلاف تهديدًا. ننشغل بإثبات أنفسنا، ونركض خلف أحلام قد لا تكون لنا بقدر ما هي انعكاس لتوقعات الآخرين. نريد أن نكسب كل المعارك، وأن نرضي الجميع، وأن نحصل على اعتراف دائم بقيمتنا. نرى كثيرًا، لكننا لا نفهم إلا القليل.

ومع التقدم في العمر، لا تصبح الحياة أسهل بالضرورة، لكنها تصبح أوضح. نتعلم أن بعض المعارك لا تستحق الدخول أصلًا، وأن السلام الداخلي أغلى من أي انتصار ظاهري. نكتشف أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن الابتعاد في بعض المواقف ليس ضعفًا بل حكمة، وليس هروبًا بل حفاظًا على ما تبقى من طاقة القلب.

الرؤية هنا لا تعني قوة البصر، بل وضوح المعنى. نفهم الناس أكثر، لا لأنهم تغيّروا، بل لأننا لم نعد نطلب منهم الكمال. ندرك أن لكل إنسان ألمه الخفي، وأن القسوة غالبًا قناع، وأن الطيبة الصادقة لا تحتاج إعلانًا. نتوقف عن إصدار الأحكام السريعة، ونمنح الأعذار، ونختار الرحمة حين نستطيع.

مع الكِبَر، نعيد تعريف النجاح. لم يعد منصبًا أو لقبًا أو تصفيقًا، بل راحة ضمير، ونومًا هادئًا، وعلاقات صادقة لا تقوم على المصلحة. نكتشف أن السعادة ليست في كثرة ما نملك، بل في قلة ما نحتاج، وأن الامتنان اليومي أبسط علاج للقلق وأعمق مصدر للطمأنينة.

حتى الألم نراه بعين مختلفة. لا يختفي، لكنه يفقد حدّته. نفهم أنه معلّم قاسٍ لكنه صادق، وأن كثيرًا مما كسرنا يومًا هو ما صاغ وعينا اليوم. نتوقف عن لعن التجارب الصعبة، ونبدأ في شكرها لأنها كشفت لنا حدودنا وقوتنا في آنٍ واحد.

بالكبر، نتصالح مع فكرة أن الحياة ليست عادلة دائمًا، لكنها رغم ذلك مليئة بالمعاني. نتوقف عن سؤال: لماذا حدث هذا لي؟ ونبدأ بسؤال أهدأ: ماذا تعلّمت؟ وكيف أعيش أخفّ؟

نعم، قد يضعف النظر مع الزمن، لكن الرؤية تتضح. نعرف أين نضع قلوبنا قبل أقدامنا، وأين لا يستحق الأمر أن نستنزف أعمارنا. وتلك ليست خسارة، بل هدية العمر الحقيقية.

د. هلا السعيد – الشرق القطرية

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



اسماء عثمان

محررة مسؤولة عن تغطية الأحداث الاجتماعية والثقافية، ، تغطي القضايا الاجتماعية والتعليمية مع اهتمام خاص بقضايا الأطفال والشباب.
زر الذهاب إلى الأعلى