آراءأبرز العناوين

كيف تشتري دون أن تشعر؟

عالم التجارة الرقمية لم يعد قرار الشراء فيه نتاج رغبة أو حاجة مُلحّة، بل أصبح في كثير من الأحيان نتيجة سلسلة دقيقة من الأساليب النفسية التي تُصمّمها المتاجر الإلكترونية بعناية فائقة، لتجد نفسك تضغط زر”اشترِ الآن” دون أن تدرك حجم التأثيرات التي قادتك إلى ذلك الفعل، وهنا يبرز السؤال: هل نحن مَن يختار المنتجات أم أن الخوارزميات هي التي تختارنا؟

خلال السنوات الأخيرة تطوّرت تقنيات التخصيص بشكل لافت، وباتت المنصات تعرف اهتماماتك وسجلك الشرائي، والمنتجات التي شاهدتها، والصفحات التي مررت بها، والمدة التي توقفت عند كل منتج، وحتى مستوى شحن بطارية هاتفك. ومع تحليل كل هذه البيانات بواسطة خوارزميات ذكاء اصطناعي متقدمة، تصبح تجربة الشراء وكأنها صُمّمت خصيصًا لك؛ فالمتجر يعرض منتجات تبدو ملائمة لذوقك واحتياجاتك، ليس لأنها الأفضل بالضرورة، بل لأنها المدخل الأمثل لدفعك نحو الشراء. وينطبق الأمر ذاته على استراتيجيات إعادة الاستهداف (Retargeting) التي تجعل المنتج يلاحقك من “إنستغرام” إلى محرك البحث وصولاً إلى بريدك الإلكتروني.

ولا يتوقف التأثير عند التخصيص؛ بل يمتد إلى خلق شعور بالندرة من خلال عبارات مثل: “باقي 3 منتجات فقط” أو “يشاهده الآن 5 أشخاص”، وهي رسائل لا تعتمد دائمًا على حقائق، لكنها تستند إلى محفّز نفسي قوي يُعرف بـ الخوف من فوات الفرصة (FOMO)، مما يدفعك لاتخاذ قرار سريع دون تفكير عميق. ثم تأتي أساليب التسعير النفسي التي تجعل 89 ريالًا تبدو أقل بكثير من 90، إضافة إلى توجيهك نحو باقة معيّنة باعتبارها “الأكثر مبيعًا”، رغم أنها غالبًا الخيار الذي يرغب المتجر في دفعك إليه.

أما تصميم واجهة المتجر، فهو أحد أكثر الأساليب تأثيرًا، إذ يُصمَّم زر الشراء بارزًا ومكررًا في أكثر من مكان، بينما يظهر زر الإلغاء أو الرجوع صغيرًا أو شبه مخفي. كما تُعرض خيارات الشحن المجاني بشرط رفع قيمة المشتريات، فتجد نفسك تضيف منتجًا لا تحتاجه فقط لتجنّب رسوم الشحن. وينطبق الأمر كذلك على خاصية “الشراء بنقرة واحدة” التي تلغي “لحظة الألم” المرتبطة بإدخال بيانات البطاقة، بفضل تخزينها مسبقًا في المتجر أو المتصفح أو المحفظة الرقمية.

كما تلعب المراجعات الاجتماعية (Social Proof) دورًا مهمًا؛ فعندما ترى تقييمًا مرتفعًا أو عبارة “تم شراؤه 12 ألف مرة”، فإنك تميل تلقائيًا لشراء المنتج، إذ يتبع العقل البشري رأي الجماعة. وتتعمق هذه الآلية عندما يعرض لك المتجر منتجات مكملة لما شاهدته أو اشتريته، كاقتراح سلك شاحن عند شرائك شاحنًا متنقلاً. ويزداد التأثير أيضًا حين تُستخدم أنظمة المكافآت بأسلوب يحاكي عقلية المهتمين بالألعاب الإلكترونية (Gamification)، ليشعر العميل أنه “يربح” بينما هو في الحقيقة “ينفق”.

وتعتمد المتاجر كذلك على استراتيجية “السلة المفتوحة”، إذ تجعل إضافة المنتجات للسلة سهلة وسريعة، مع إظهار عدٍّ تنازلي أو إرسال رسائل تذكير والإشعارات لتشجيعك على العودة وإتمام الشراء. وتتضاعف فعالية هذه الاستراتيجية مع خدمات “اشترِ الآن وادفع لاحقًا” (BNPL) التي تُضعف إحساسك الآني بالتكلفة، بالإضافة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على تقدير نيتك في الشراء ومراقبة لحظة خروجك من المتجر ثم تغيير المحتوى في أجزاء من الثانية لإبقائك داخل المتجر.

وللحد من تأثير هذه الأساليب، يُنصح بترك السلع في السلة والتفكير لمدة 24 ساعة على الأقل قبل إتمام أي عملية شراء، مع الوعي بمفهوم “التصميم المظلم” (Dark Patterns) في المواقع والتطبيقات الإلكترونية، الذي يقوم على استخدام تصميمات خادعة أو مربكة (Deceptive UX) تدفعك للقيام بما لم تكن تنوي فعله، ومنها أيضا تسهيل الاشتراك مقابل تعقيد الإلغاء، أو استمرار السحب دون تنبيه واضح.

إن ما يحدث في منصات التجارة الإلكترونية هو منظومة متكاملة من استراتيجيات الهندسة السلوكية المصمّمة لتحويل اهتمامك إلى قرار شراء خلال ثوانٍ معدودة، لذا كن واعيًا وإلا ستظل تشتري.. دون أن تشعر.

علي بن محمد الغامدي -جريدة الرياض

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



اسماء عثمان

محررة مسؤولة عن تغطية الأحداث الاجتماعية والثقافية، ، تغطي القضايا الاجتماعية والتعليمية مع اهتمام خاص بقضايا الأطفال والشباب.
زر الذهاب إلى الأعلى