آراءأبرز العناوين

لماذا يستحيل السلام مع الدعم السريع؟

بشكل متزايد تحول النزاع المسلح المشتعل في السودان منذ 15 أبريل/نيسان 2023 بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع، من مجرد مواجهة مسلحة بين قوتين إلى نظام عنف بنيوي يحاول إعادة رسم الجغرافيا السياسية بالسلاح، وتشكيل المجتمعات بالإكراه، واختطاف السياسة تحت وطأة التهديدات الجماعية.
ومع دخول الحرب عامها الثالث، أصبح جليا أن معظم المبادرات السابقة- مثل محاولات الوساطة الدولية في جدة أو مفاوضات جنيف ومؤخرا مبادرة الرباعية- فشلت؛ لأنها تجاهلت حقيقة جوهرية وحاولت القفز عليها، وهي أن سيطرة مليشيا مسلحة على المدنيين- مستخدمة إياهم كأداة ابتزاز سياسي وعسكري- تحول أي مفاوضات إلى مجرد تمديد للعنف وشرعنة له بدلا من إنهائه.
وربما كان أكبر مثال على ذلك ما قامت به مليشيا الدعم السريع، باستغلال الهدن المتتالية التي أقرها منبر جدة، والتي كانت تهدف أساسا إلى تسهيل الوصول الإنساني وحماية المدنيين، لتعزيز تمددها العسكري في مناطق مدنية كثيفة السكان، مثل الخرطوم وبعض مدن دارفور، باحتلال بيوت المدنيين والمرافق العامة كالمستشفيات والمدارس، مستفيدة من فترات التهدئة لتحريك وإمداد قواتها دون مواجهة مباشرة.

ثم رفضت لاحقا الانسحاب من هذه المواقع، كما نص اتفاق جدة، مما أدى إلى انهيار جهود الوساطة، إذ تحولت الهدن إلى أداة لتعزيز الانتهاكات بدلا من مقدمة للسلام الحقيقي.
تبرز خطة السلام السودانية الجديدة، التي عرضها رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس رسميا على مجلس الأمن الدولي في 23 ديسمبر/كانون الأول 2025، والتي جاءت كتطوير منهجي لخارطة الطريق التي تبنتها الحكومة السودانية في مطلع العام الماضي، كأكثر المبادرات واقعية في مخاطبة الأزمة حتى الآن. ليس لأنها تعد بسلام سريع أو مثالي، بل لأنها تنطلق من تشخيص صحيح لطبيعة الحرب كحرب احتلال داخلي، وتضع حماية المدنيين شرطا أساسيا طال تجاهله في المبادرات السابقة.
إذ تقوم المبادرة على مرتكز أساسي: إخلاء المليشيا من المناطق المدنية هو مقدمة ضرورية لأي عملية سلام أو حوار سياسي، وهو ما يفصل بين السيطرة العسكرية والشرعية السياسية، ويمنع استمرار دورة العنف.
المعضلة الحقيقية: عبث التفاوض تحت تهديد السلاح
لا يمكن تصنيف أي مسار تفاوضي يجري بينما تسيطر مليشيا الدعم السريع على مدن مأهولة بالسكان المدنيين، وتواصل ارتكاب انتهاكاتها ضدهم، كعملية سلام حقيقية، إذ تصبح تفاوضا تحت الإكراه، أو احتجازا جماعيا يستخدم فيه المدنيون كورقة ضغط، مع التهديد الدائم بقتلهم أو تهجيرهم أو تجويعهم، كلما تعثرت المفاوضات، أو تغير ميزان القوى.

هذا المنطق ليس نظريا، بل هو مدعوم بوقائع وممارسات مليشيا الدعم السريع خلال هذا النزاع. وما حدث في الفاشر يمثل نموذجا صارخا لهذا الابتزاز. المدينة حوصرت لأكثر من 18 شهرا، منذ مايو/أيار 2024 حتى سقوطها في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025، حيث رفضت فيها المليشيا التفاوض، ورفضت عرض الهدنة الإنسانية الذي قدمه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في يونيو/حزيران 2025، ووافق عليه رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان.

ثم لاحقا أعاد طرحه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في أغسطس/آب 2025، وأيضا رفضته المليشيا.

تحولت أوضاع المدنيين، إلى أداة ابتزاز عسكري، واستخدمت مليشيا الدعم السريع أدوات حصار التجويع، ومنع حركة المدنيين الذين اتخذتهم رهائن داخل الفاشر كورقة للضغط السياسي، حتى إنها قامت ببناء سور يحيط بالمدينة من كل الجهات لمنع خروج المدنيين.
سقطت الفاشر تحت وطأة هجوم دموي، رافقته مجازر واسعة النطاق وانتهاكات موثقة من منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و”أطباء بلا حدود”.
لم تستثن هذه المجازر حتى المرضى في أسرّة المستشفيات، حيث قامت المليشيا بارتكاب مجزرة في المستشفى السعودي قتلت فيها 460 مريضا ومرافقيهم والكادر الصحي العامل في المستشفى فور اقتحامها الفاشر.
لم يكن المدنيون أطرافا في المعركة، بل أصبحوا وقودها، مع تقارير تفيد بقتل عشرات الآلاف وتهجير مئات الآلاف. وبعد سقوط الفاشر، لم تقتصر الجريمة على الفعل العسكري، بل امتدت إلى حملة تضليل منظمة سعت إلى صناعة واقع بديل ينكر حجم الانتهاكات، ويعيد صياغة المأساة كتحرير، ويلبس الانتهاكات قناع الاستقرار.
في هذا السياق، برزت ظاهرة المليشياوي أبو لولو- المعروف أيضا باسم الفاتح عبدالله إدريس، أحد مقاتلي قوات الدعم السريع- كدليل حي على العنف الذي يحكم هذه المليشيات.
أبو لولو، الذي تفاخر علنا في فيديوهات موثقة على منصات التواصل الاجتماعي مثل “تيك توك” بقتل أكثر من ألف شخص، بما في ذلك إعدامات ميدانية لمدنيين في الفاشر بعد سقوطها في أكتوبر/تشرين الأول 2025، يجسد كيف تحولت الحرب إلى مهرجان للعنف الشخصي المصور، حيث يصبح القتل والسادية أداة سياسية دعائية لترهيب السكان وتعزيز السيطرة.
هذه الظاهرة ليست فردية، بل هي تكرار لما حدث من قبل في الجنينة، وفي أردمتا، وفي الخرطوم، وفي قرى الجزيرة من ود النورة حتى الهلالية.
هذا العنف وهذه الانتهاكات يعكسان بنية أيديولوجية فاشية مطبوعة في سلوك مليشيا الدعم السريع التي لا تعامل المدنيين السودانيين كمواطنين، بل كأوراق ضغط سياسي وأدوات للإخضاع عبر الإرهاب المجتمعي، وهو ما يجعل أي سلام مستحيلا دون تفكيك هذا الابتزاز.
أما التلاعب بالحقائق، فهو ليس تفصيلا إعلاميا عرضيا، بل هو واحد من الخصائص المحددة للأيديولوجيا العنيفة التي تعتنقها مليشيا الدعم السريع، وعنصر بنيوي في استمرار الحرب.
دراسة حديثة للأكاديمي مارك أوين جونز، الأستاذ في جامعة نورث ويسترن، كشفت عن شبكة تضليل هائلة مكونة من نحو 19 ألف حساب على منصة (إكس)، انطلقت فور سقوط الفاشر في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025 لإعادة صياغة الواقع، ومحاولة تجميل أفعال قوات الدعم السريع من خلال الهيمنة على الوسوم، والترويج لروايات التحرير، وإغراق شبكات التواصل الاجتماعي بتغريدات ومنشورات مضللة.

هذه الشبكة المرتبطة بدول إقليمية، وصفها جونز بأنها أكبر شبكة تضليل رقمية معروفة في العالم حتى الآن، تعتمد على حسابات مزيفة وأدوات آلية لإغراق المنصات بالمحتوى المزيف، مما يعيق تشكيل رأي عام موضوعي -عالميا ومحليا- يساهم في بناء سلام حقيقي، ويحول الجهود من أجله إلى غطاء لإعادة إنتاج العنف.

وللأسف فإن بعض القوى السياسية السودانية تشارك في هذا التزييف من خلال الترويج لقبول الزيف كأساس للعمليات السياسية.

في هذا السياق، يتجلى التطبيق العملي لمفهوم الهيمنة (Hegemony) الذي تناوله أنطونيو غرامشي كأحد المحددات الأساسية للفاشية، حيث لا تقتصر السيطرة على القمع الجسدي فحسب، بل تمتد إلى تشكيل الوعي الجماعي عبر السيطرة الأيديولوجية على الخطاب العام، مما يجعل المتلقين يقبلون الأمر الواقع المفروض كأمر طبيعي وغير قابل للنقاش.

هذه الهيمنة، التي وصفها غرامشي في “سجلات السجن” كرد فعل على أزمات الرأسمالية، تتجسد اليوم في حملات التضليل الرقمية لمليشيا الدعم السريع، والتي تسعى إلى تحويل الزيف إلى إجماع مصطنع، يبرر ويشرعن استمرار العنف كوسيلة لإعادة صياغة الواقع الاجتماعي والسياسي في السودان.

لماذا تعد خطة السلام السودانية الجديدة أكثر واقعية؟
تكمن واقعية خطة السلام السودانية المطروحة في 23 ديسمبر/كانون الأول 2025، في منطقها التسلسلي المنهجي، الذي يعتمد على مبدأ أساسي في الفلسفة السياسية الحديثة يظهر في نظرية جون راولز حول العدالة، حيث لا يمكن بناء نظام سياسي عادل ومستقر دون إزالة الإكراه الأوّلي.

خطة السلام السودانية لا تقفز إلى السياسة قبل معالجة الواقع العسكري، ولا تطلب من الضحايا التفاوض مع جلاديهم، وهم ما زالوا يحملون السلاح داخل بيوتهم. وتحاول أن تحد من مخاطر تكرار الإبادة الجماعية التي حدثت خلال هذه الحرب في الجنينة، وفي الفاشر، وفي الخرطوم، وفي الجزيرة، قبل أن يعقد الساسة ربطات عنقهم للدخول في المفاوضات على الكراسي.

وهي تبدأ من حيث يجب أن يبدأ الحديث عن أي سلام مستدام:

إخلاء أفراد المليشيا من المناطق المدنية وإنهاء وجودها العسكري وسط السكان، مما ينهي حالة الابتزاز القائمة على التهديد بالعنف الجماعي.
وتزداد أهمية هذه الخطوة مع التواجد المكثف للمرتزقة الأجانب في صفوف المليشيا، وهؤلاء لا تربطهم أي صلات اجتماعية مع الواقع المحلي، فيكونون أكثر استعدادا للعنف والنهب وارتكاب الانتهاكات.

تجميع القوات في مواقع مراقبة خارج المدن، مع وضعها تحت الرقابة الدولية، وهو ما يشكل ضمان حماية لها لا يمكن أن تعترض عليه لو كانت نواياها صادقة نحو تحقيق السلام ووضع السلاح.
وهذا سيشكل تمهيدا لعمليات الفرز، والتدقيق، والدمج والمساءلة القانونية، بدلا من ترك السلاح منفلتا، مما يمنع تكرار دورات العنف.

فتح المجال للوصول الإنساني وتأمين وصول المساعدات دون وصاية أو نهب أو توظيف سياسي، بما يمهد لتحسين أوضاع المواطنين، وعودة الحياة بشكل تدريجي لطبيعتها.
الانتقال إلى حوار سياسي لا يدار تحت فوهة البندقية، ولا ابتزاز المسيرات ولا تحدد مخرجاته بميزان القوة العسكرية، بل بنقاشات سياسية حقيقية حول مستقبل البلاد.
بهذا النهج، تفصل الخطة بين الاحتلال العسكري والشرعية السياسية، وتكسر المعادلة التي حكمت الحرب منذ اندلاعها في 15 أبريل/نيسان 2023: من يحتل المدن يفرض شروط السلام.
هذا التمييز ليس مجرد إجراء فني، بل ضرورة وجودية للدولة السودانية تحفظ استقلالها وتحمي مواطنيها وتمنع تحول السلام إلى استسلام.
ولكن من اللافت- والخطير- أن بعض القوى السياسية المنضوية تحت تحالف “صمود” الذي يرأسه رئيس الوزراء المستقيل الدكتور عبدالله حمدوك، والتي تقدم نفسها كجبهة مدنية رافضة للحرب، سارعت إلى رفض الخطة والهجوم عليها، لا لنقص أو غموض فيها، بل لأنها تشترط إنهاء سيطرة قوات الدعم السريع على المناطق المدنية، وهو ما يجده تحالف “صمود” غير واقعي وغير قابل للتطبيق!
هذا الموقف لا يفسر كاختلاف سياسي مشروع، بل هو تبرير صريح لاستمرار الابتزاز، إذ يعني الإصرار على بقاء المليشيا وسط المدنيين بحجة الأمر الواقع قبولا لمنطق الرهائن، والتعايش مع استخدام المجازر كأداة ضغط والرضوخ لاستعمال السلاح في السياسة.
هذا ليس مسار سلام، بل مقايضة أخلاقية وسياسية فاسدة، تذكر بكيف ساهمت بعض التحالفات المدنية في تمديد الصراعات في سوريا منذ 2011 عبر تبرير العنف.
وأبعد من ذلك، فإن أي عملية سلام جادة لن تقتصر على محض إعادة انتشار ميداني أو توزيع للقوات، بل يجب أن تهدف بشكل أساسي لتفكيك الوجود المؤسسي لمليشيا الدعم السريع:

شبكات التمويل والنفوذ الاقتصادي.
ومصادر التسليح العابرة للحدود.
والدعم السياسي والإعلامي الذي يمنحها القدرة على الاستمرار كفاعل فوق الدولة.
قوات الدعم السريع ليست مجرد تشكيل متمرد، بل هي مشروع عنف منظم قائم على اقتصاد الحرب- مثل تهريب الذهب غير المشروع- وبنية أيديولوجية فاشية ترى في المجتمع موردا للإخضاع لا شريكا في الوطن.
هذا النمط من المليشيا، المشابه لمليشيات بوكو حرام في نيجيريا أو القوات النازية الخاصة (وحدات شوتزشتافل)، لا يمكن دمجه في مستقبل سلمي، ولا إصلاحه عبر تسويات شكلية، إذ إن طبيعته تتناقض جوهريا مع أي تصور لدولة مدنية أو سلام مستدام.
الخلاصة، أن السلام يبدأ بتحرير المدنيين من قبضة العنف لا بمساومة الدولة على أمانهم ومعاشهم. وما يمنح خطة السلام السودانية الجديدة، المقدمة في 23 ديسمبر/كانون الأول 2025، قدرا أكبر من الواقعية هو رفضها القفز فوق هذا الواقع، وإصرارها على حقيقة بديهية طال إنكارها: لا تفاوض حقيقيا في ظل احتلال المليشيا للمدن، ولا سلام مع بقاء المدنيين أدوات ضغط في يد السلاح.
السلام في السودان لن يولد من غرف التفاوض وحدها، بل من تفكيك منظومة العنف التي حولت المجتمع إلى رهينة، والإنسان إلى وسيلة.
أي مسار لا يبدأ بتحرير المدنيين من هذا الابتزاز، إنما يكتب فصلا جديدا من الحرب- ولو استعار اسم السلام.

أمجد فريد الطيب
الجزيرة

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



هبة علي

محررة بكوش نيوز تهتم بشتى جوانب الحياة في السودان والاقليم، تكتب في المجال الثقافي والفني، معروفة بأسلوبها السلس والجاذب للقارئ.
زر الذهاب إلى الأعلى