آراءأبرز العناوين

أزمة منتصف العمر!

تُعد أزمة منتصف العمر مرحلة حاسمة في حياة كل إنسان، ولا شك تصاحبها تداعيات نفسية وتغيرات عائلية؛ بل وعلمية أيضًا.

هذه الأزمة غالبًا ما تحدث في الفئة العمرية بين 40 و60 عامًا، عندما يبدأ الشخص بالتفكير العميق في مسار حياته، وما حققه من إنجازات وما أخفق فيه من تطلعات، وما تبقى له لتحقيقه.

هذه الوقفة مع النفس بكل ما تعنيه من حكمة، ورد ذكرها في القرآن الكريم فى قوله تعالى: “حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ..”.

نفسيًا، ربما يشعر الإنسان فى هذه السن بالتوتر والإحباط لأن ما حققه جاء دون سقف تطلعاته، وإن لم يكن متمتعًا بنعمة الرضا وموقنًا بعدالة الله في التوزيع، ربما دخل في مقارنات غير عادلة مع “حظوظ” الآخرين؛ وهي مقارنة لا طائل منها سوى الندم.

لكن “تفيد بأيه يا ندم وتعمل إيه يا عتاب”، فالأولى له أن يتحلى بحكمة هذه السن ويُعيد ترتيب طموحاته، ويُفتش في أسباب السعادة من حوله، إن لم تكن في صحة أو ثروة؛ سيجدها في الأولاد أو الأحفاد؛ وإن كان استقلال الأبناء يُضيف أبعادًا معقدة لبعض الناس في هذه المرحلة من العمر.

وقديمًا عرّف أرسطو السعادة على أنّها هبة من الله وقسمها إلى خمسة أبعاد، هي: الصحة البدنية، والحصول على الثروة وحسن تدبيرها واستثمارها، وتحقيق الأهداف والنجاحات العملية..

وعلميًا، تترافق هذه المرحلة مع تغيرات بيولوجية هامة، مثل انخفاض مستويات الهرمونات “التستوستيرون عند الرجال و”الإستروجين” عند النساء، ما قد يؤثر على الحالة المزاجية والقدرات الجسدية.

وانخفاض المرونة العصبية قد يجعل التكيف مع التحديات الجديدة أكثر صعوبة، وقد يزيد من حدتها معاناة الكثيرين من مشاكل صحية مرتبطة بتقدم العمر، مثل آلام المفاصل أو أمراض القلب، ما يضيف عبئًا نفسيًا وجسديًا.

ولايعنى ذلك كله أن منتصف العمر مرحلة مصحوبة بتعاسة أو انحراف المزاج أو ماشابه، وأن ما قبلها من عمر كانت حياة مرح وسعادة..

المفاجأة فيما طرحته؛ وأجابت عنه نتائج دراسة موسعة عن المرحلة العمرية الأكثر سعادة فى الحياة..

فريق من علماء النفس الأوروبيين درسوا مئات الآلاف من نقاط البيانات لنحو 460 ألف شخص على مدار سنوات عديدة لمحاولة حل لغز المرحلة العمرية التي يكون فيها البشر أكثر سعادة.

كانت المفاجأة ـبحسب الدراسةـ أن فترة المراهقة هي مرحلة المعاناة التي يعيشها الكثيرون، حيث يقل الرضا عن الحياة من سن التاسعة إلى الرابعة عشرة، وربما يسهم في ذلك أن هذه المرحلة تكون مصحوبة بتغيرات بيولوجية؛ بسبب الانتقال من مرحلة الطفولة إلى سن المراهقة..

وطبيعي أن يكون من أسباب عدم رضا المراهقين أن تطلعاتهم لمحاكاة بعض أقرانهم؛ خاصة المدججين منهم بأحدث الموبيلات وأجهزة التابلت، تصطدم بواقع حياة آبائهم الذين يكابدون الحياة لمجرد الوفاء بمتطلبات العيش..

ولو امتدت الدراسة إلى دول أخرى لربما تخطى عمر “التعاسة” عتبة الثلاثين أو يزيد، لأسباب تتضاءل أمامها المستحيلات الثلاثة التى قالتها العرب قديما “الغول والعنقاء والخل الوفي”؛ تتعلق بالبحث عن عمل أو زواج.. وكلها تحديات تلقي بظلالها مباشرة على مستوى السعادة.

ويزداد الرضا عن الحياة بشكل طفيف من بعد عمر المراهقة؛ وفق الدراسة؛ حتى سن السبعين، وتظل مستويات الرضا مستقرة أو تزيد قليلا خلال هذه الفترة، حتى في الفترات الصعبة.. لكن من بعد هذه السن، يبدأ منحنى الرضا عن الحياة في التراجع مرة أخرى.

ومع كل ذلك، ربما يرى الكثيرون أن فى منتصف العمر “محنة لا منحة”، لكن العاقل من يراها فرصة لإعادة تقييم المسار، وتبني نظرة أكثر إيجابية وعقلانية للحياة، وتحرى السعادة في عالمه، والأجمل أن ينثرها على من حوله.. فذلك هو عين الجمال فى سن الحكمة والهدوء..

حسبن فتحي – بوابة الأهرام

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



اسماء عثمان

محررة مسؤولة عن تغطية الأحداث الاجتماعية والثقافية، ، تغطي القضايا الاجتماعية والتعليمية مع اهتمام خاص بقضايا الأطفال والشباب.
زر الذهاب إلى الأعلى