آراء

«نكبُرُ حين تهرَم قلوبُنا»

لكى تحس حقًا بالحياة، فإنها تلك القدرة على أن تجدَ الآخر الذى تحاوره، وتختلف معه ويسأل عنك وتسأل عنه.

«نحن لا نكبُر عندما يشير التاريخ بسبّابته إلى يوم ميلادنا البعيد، ولا نكبُر عندما ينهش الشيبُ فروةَ رأسِنا، لا نكبُر عندما تتساقط أسنانُنا مهاجرةً دون إذن منا، بعد عقودٍ من العمل المُضنى، لا نكبُر عندما نصبح عاجزين عن الحياة بلا نظارة ملتصقة بوجوهنا، نكبُر حين يختفى عزيزٌ فى حياتنا، ولا يلبث أن يسرقه الموت منا، نكبُر حين تستغيث آذاننا مطالبةً بكلمة حُبٍّ هاربة ولو بالصّدفة، نكبُر عندما يعصِف فصلُ الخريف بعلاقاتنا، ويتساقطُ البشرُ من حولنا فجأة، نكبُر عندما نتمسّك بأذيالِ ضحكةٍ زائفةٍ مع شخصٍ زائل، نكبُر حين تشرقُ الشمس وتغيب، دون أن نجد من نشاركه تفاصيلنا الساذجة، نكبُر حين تهرِم قلوبنا».. هكذا قالت إليف شافاق الكاتبة التركية، ببلاغةٍ قوية وحكمةٍ مُتَمكِّنة.

لقد عبّرت شافاق عن فلسفةٍ عميقة حول معنى النضج والشيخوخة، إنها تشير إلى أن تطور الإنسان لا يأتى فقط مع تقدُّم العمر أو مع التغيرات الجسدية، بل مع التجارب العاطفية والروحية التى يمُرّ بها.. كالخسارة، والانفعالات المُؤثرة، وارتباك العلاقات، والشعور بالوحدة.. كل هذه الأمور تساهم فى نموِّنا الداخلى وتشكيل شخصيتِنا.

ولكى تحس حقًا بالحياة، فإنها تلك القدرة على أن تجدَ الآخر الذى تحاوره، وتختلف معه ويسأل عنك وتسأل عنه، وتعيش فى دفء وجوده، حتى لو هو على بعد مسافاتٍ منك، تستأنسُ بحضوره فى ذهنك، وحيويتُه فى ذاكرتك.

إنه سحرُ وجود الآخر فى حياتك، لتزدهرَ بالألوان، فى مقابل ذلك الإحساس القاتل بالوحدة، حتى وأنت وسط الآخرين، فى مقابل إحساسِك بأنك كهل وأنت فى عمر الـ 30، ربما لأنك بلا أصحاب وبلا مشاركات، وقد عزلت نفسَك، وقد يداهمك إحساس بأنك منبوذ أو مطرود من جنة الإنسانية، عليك أن تُفتِّش داخل كيانك عن الآخر، الذى توشوش له، ولو حتى بين الحين والآخر، وتستطيع أن تُثرى نفسَك بكلماته، وتزيد من معرفتِه بكلماتك، وأنتما تتبادلان الآراء فى السياسة والفن والسينما والفن التشكيلى، أن تراقِص من تحِب حتى لو كان ذلك رمزيًا، كل هذا وذاك يجعلك أصغر سنًا وأكثر شبابًا حتى لو قاربت على الــ 80.

يقول مارك توين: «إن الخوف من الموت.. يتبعهُ الخوف من الحياة، إن الإنسان المُتفهِّم الواعى الناضج، هو الذى يعيش مُستعدًا تمامًا لأن يموت فى أى وقت».

ماذا لو سألت نفسك ما هى فلسفتك فى الحياة، أو لمَ تعيش، قال لى أحدهم وأنا أعبرُ معه الطريق: «صرتُ أعيش لآكل وأتناسل وأنام وأذهب إلى الحمام كالحيوان، نعم أنا قلتها قبل أن تُكملها أنت، لا رأى لى ولا طموح ولا شغف.. لست مكتئبًا، استخدم الألفاظ الجارحة لأصف الوضع الشائن الذى أعيشه.. أنا فى خير والحمد لله، لكنه الإجبار على الرضا بأكل الحرام، وبأن أكون ذلك الخنزير الذى يثغى فى المرعى»، وآخر يقول: «آهى ماشية زى ما تيجى تيجى، بحلوِها ومرِّها.. لحظات استمتاع ولحظات تعاسة، فى الصين أعطوا إجازة ثلاث أيام تعاسة أسبوعيًا لمن لا يتمكَّن من العمل، لأنه سيعكس تعاسته على زملائه، وعلى إنتاجه، وعلى جَوّ المصنع بالكامل، وربما على الصين بأكملها، لأن التعاسة كالسعادة مُعدية».

إن فلسفة الحياة إطارٌ فكرى، لفهم كيف نعيش فى هذا العالم المُتناقض ذى الوجهين، وكيف نستطيع التأقلم مع كل التناقضات التى تحيط بنا، إنها قدرتَك على أن تحدِّد ما هو الصَح والخطأ، ما هو الفاسِد وما هو المُتحايل، وما هو نظيف وما هو عفن، ما معنى النجاح؟ زمان كان الاستقرار فى بيت فيه مروحة وثلاجة وتليفزيون، وتشترى الجورنال، تقرأه وتضعه على رأسك اتقاءً للحر، والآن أن تمتلك سيارة وتتزوج وتنجِب أولادًا، وتبدأ من أول السطر، تُرى ما هو أقصى طموحك؟ من الممكن أن تطمَح للسفر إلى الخارج؟ وماذا بعد؟ مزيد من المال؟ لكن هل حينها ستكون مستعدًا للموت؟ أم أنك ستكون طامعًا فى المزيد؛ فتمدّ يدك فى جيوب الآخرين، وفى قلوبهم وفى أرواحهم، فتصدأ روحك وتتورم ذاتك وتنتفخ، ولربما أحطت نفسك بالجوارى، وجرَّبت كل أنواع المخدرات والخمور، وحاولت أن تفهم معنى التفضيل الجنسى، وربما جُنَّ جنونك وفقدت عقلك وسرتَ تائهًا حافيًا فى الصحراء! كلها احتمالات فلسفية، فى مقالٍ قد يكون عبثيًا، ولا يهمك انسَ الموضوع.

خليل فاضل – المصري اليوم

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



زر الذهاب إلى الأعلى