آراء

الأرض أوسع من الفكر

لم يزل الإنسان يسكن الجزء اليسير من هذه الرقعة الشاسعة، والتي تسمى الأرض، لأن الفكر أصبح الكائن الهائل الذي يبتلع جشع الإنسان، ويتقيؤه سعيراً وزمهريراً ليصير العالم اليوم في حالة انهيار تنهال رماله الكثيفة على العيون بحيث لا يرى أبعد من أخمص قدميه، ولا يمكنه التمييز بين الألوان، بل جميعها أصبحت داكنة إلى حد الفزع، أصبحت عين الإنسان تعاني عمى الألوان، لأن الكراهية اقتحمت منزله، وانتشرت كما تنتشر الأوبئة، واحتلت مساحة واسعة من وجدانه، وصار الإنسان يلوب تائهاً في غابة التوجس والخوف من المجهول، لأنه يحس بأن الأرض التي يمشي على ترابها ضاقت به ذرعاً، وطوقت جبالها وأنهارها إرادته، ولم يعد بإمكانه العيش من دون صراع دام يحرق الأكباد، ويبيد حلم الأحفاد.اليوم عندما نقرأ الخريطة العالمية نرى ما يراه النائم من كوابيس مرعبة، حيث الحروب الطاحنة تدك معاقل البشرية وتحطم الآمال، وتهشم الأمنيات، لأن الإنسان خائف من مستقبل يظن أنه مرهون بمساحة الأرض التي تقضمها الأفكار الحزينة وتكسر صخورها،

وتجعل من الوعي بأهمية أن نعيش متضامين فرصة ضئيلة، وذلك لأن فئة من الناس، وهو يحسبهم مفكرين، هؤلاء وضعوا أجندات فحواها نشر الإيمان بعقيدة مفادها أنه ما لم يكد القوي بالضعيف ويخطف اللقمة من فمه، فإن مستقبل القوي مهدد ببشارات غامضة ورعد وبرق وسيول وانهيارات أرضية وزلازل، كل هذه النظريات التخويفية تأتي تعقيباً على فكر تأسس على أنماط (الأنا، ومن بعدي الطوفان)، وهذه عبارة تخويفية مليئة بقنابل موقوته مصيرها الانفجار طالما العالم آمن بعدم الأمان، وطالما وثق العرى مع نفس أمارة، وروح مرتجفة، وطالما انضوى تحت طائلة من الأفكار الخرافية، والتي تدعو إلى نصرة الذات ضد ذوات الآخر البشرية، بحاجة إلى كم هائل من الحب،

وليس إلى عتاد فتاك البشرية حتى يختفي من محيطها الخوف من المستقبل، والخوف من ضيق الأرض هي بحاجة ماسة إلى سعة الصدر وشفافية المشاعر أحلام زاهية تضيء طريقها إلى المستقبل، وهذه الحزمة من الوشائج لن تتوفر إلا إذا حقق قناعة راسخة بأنه ابن الأرض وأبناء البشرية جميعهم إخوة له في الوجود وفي المصير إذا اقتنع الإنسان بهذه الأفكار، فلن يكون هناك قلق على المصير، وسوف تختفي الحروب المدمرة من على سطح الأرض، وسوف تستمر الحضارة البشرية في نموها الطبيعي كمن تحتاج إلى ولادات قيصرية كي تنجب المزيد من المبهرات التكنولوجية، والتي تسعد الإنسان، وتجعله في أتم العافية النفسية وتجعله في رخاء ثقافي ينعم عليه بمزيد من المحبة والتضامن من أجل الحياة، وليس من أجل البقاء.فالعشاق في هذه الحياة كثر، ولكن ما يحجب رؤيتهم كثرة الكارهين، وعدواهم المخيفة، والتي تصيب أجيالاً وأحفاداً يولدون، وأول ما يصدمهم ذلك التلقين الرهيب، وضخ المياه الضحلة في أذهانهم، وجعلهم أوعية فارغة تملأ بالرثاثة حتى يصبح الصغار كباراً في عدوانيتهم للآخر، بحجة أن هذا المكان ليس وحدوياً ولا حق للآخر أن يتبوأه.

علي أبوالريش – صحيفة الاتحاد

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية



اسماء عثمان

محررة مسؤولة عن تغطية الأحداث الاجتماعية والثقافية، ، تغطي القضايا الاجتماعية والتعليمية مع اهتمام خاص بقضايا الأطفال والشباب.
زر الذهاب إلى الأعلى