تحقيقات وتقارير

ما بين جبهة البليساريو والآلية الثلاثية.. ولد لباد.. شيخ تسويات الهبوط الناعم

سيرة الموريتاني محمد الحسن ولد لباد عامرة بالعديد من مهمات التسوية التي خاضها في خضم صراعات القارة الأفريقية، فالرجل الموريتاني الجنسية المولود في العام 1953، في قرية تقع في ضواحي مدينة «واد الناقة» التي تبعد 50 كيلومتراً إلى الشرق من العاصمة نواكشوط، تقلب بين العديد من المواقف وقاد كثيراً من المحاولات لتسوية الصراعات، لدرجة أنه عرف في كثير من الدول بأنه عراب الهبوط الناعم.

 

ينحدر ولد لباد من قبيلة معروفة في الجنوب الموريتاني بأنها قبيلة علم، تبحر رجالها في اللغة والنحو والفقه، تربى فيها، وأكمل حفظ القرآن الكريم وبعض متون اللغة والنحو والفقه، قبل أن ينتقل إلى العاصمة نواكشوط لدخول المدرسة الابتدائية، في العام (1960)؛ ومع نموه وزيادة عمره ووعيه انخرط في العمل السياسي باكراً فأصبح واحداً من قادة الحركة الطلابية، ليُطرد من الثانوية بسبب مواقفه المعارضة، ويدخل السجن عدة مرات نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات، وهو لما يكمل بعدُ عقده الثاني ذلك ما مكنه من أن يصنع لنفسه تاريخاً سياسياً يتعاظم بمرور الأيام.

 

بعد تخرجه خاض ولد لباد تجربة التدريس في ثانويات موريتانيا خلال الفترة الممتدة من 1977 حتى 1979، من دون أن يوقف نشاطه السياسي، فكان عضواً فاعلاً في المجلس الأعلى للشباب، بعد اندماج حركة الكادحين اليسارية في حزب الشعب الموريتاني الحاكم، وأبان في تلك الفترة عن مؤهلات رشحته لنيل ثقة الرئيس المختار ولد داده الذي كلفه بمهمة سرية كمبعوث إلى جبهة البوليساريو عامي 1976 و1977، في عز حرب الصحراء المشتعلة بين موريتانيا والجبهة، لقد كانت تلك هي أول وساطة يقوم بها وهو في الـ23 من العمر، من أجل إنهاء صراع مسلح، ولكن تلك المهمة لم تفضِ إلى نتيجة.

 

خرج ولد لباد من موريتانيا معارضاً إلى داكار ومن هناك جاء يحمل شهادة في بكالريوس القانون ويمضي لينال درجة الدكتوراة، ما مكنه بأن يعمل في جامعة نواكشوط ويكلف لاحقاً بصياغة القانون الذي كلفه الرئيس ولد الطايع بإنجازه ومن الجامعة خرج «ولد لباد» متوجهاً إلى وزارة الخارجية، ليحمل أول وآخر حقيبة وزارية له (1997 – 1998)، وذلك في إطار حكومة كفاءات عينها «ولد الطايع» بعد انتخابات رئاسية قاطعتها المعارضة، وأثيرت كثير من الشكوك حول نزاهتها. وبعد تجربته القصيرة في الحكومة، توجه «ولد لباد» إلى العمل الدولي، فعمل مع المنظمة الدولية للفرانكوفونية التي أوفدته مبعوثاً إلى بوروندي (1998 – 2000). بعد ذلك، شغل منصب مدير مكتب الوسيط الأفريقي في الحوار بجمهورية الكونغو (2002 – 2000)، وهي المهمة التي كان دوره فيها محل إشادة إقليمية ودولية.

 

وقع انقلاب عسكري على «ولد الطايع» عام 2005، ليلعب «ولد لباد» دوراً أساسياً في إدارة ملف العلاقات الخارجية لنظام المرحلة الانتقالية، خصوصاً العلاقة مع الاتحاد الأفريقي، ويقول مقربون منه إنه ساهم في صياغة تصور للمشروع التوافقي في موريتانيا، وصياغة التعامل مع الهيئات الدولية حتى العودة إلى الوضع الدستوري، وعرفت مهمة ولد الطايع حينها بأنها مثلت هبوطاً ناعماً مكنت العسكر من حكم موريتانيا.

 

بعد وصول الرئيس المدني «سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله» إلى الحكم في انتخابات 2007، رجع «ولد لباد» إلى العمل في المنظمات الدولية، واعتزل السياسة المحلية بشكل تام، فعمل ممثلاً للأمين العام للمنظمة الدولية للفرانكفونية في تشاد (2008) لتسوية النزاع الداخلي هناك، وهو ما حقق فيه نجاحاً كبيراً.

 

بعد ذلك كلف بملف جمهورية الكونغو الديمقراطية (2013)، ثم عمل منسقاً لجهود الاتحاد الأفريقي والمجموعة الدولية من أجل تسوية الأزمة في جمهورية أفريقيا الوسطى (2016)، وقد رشحته هذه التجارب ليكون المبعوث الأفريقي إلى السودان (2019)، النجاح الأكبر في مسيرة الرجل.

 

الوسيط الناجح

يصف «ولد لباد» كتابه عن الوساطة في الكونغو، مطلع الألفية الثالثة، بأنه «شهادة» يهديها إلى أطفال الكونغو «المستفيدون الحقيقيون وبُناة المستقبل»، وقد اختار لغلاف كتابه صورة لثلاثة أطفال كونغوليين وظلالهم، فيما ختم كتابه بالحديث عن زيارته لقرية نائية في الكونغو كان الوصول إليها صعباً بسبب أعمال العنف، ولكن مهمته كوسيط يبحث عن السلام فرضت عليه التنقل إليها؛ قال إنه لن ينسى أبداً نظرات أطفال تلك القرية التي تركت أثراً بالغاً في الرجل، الأثر نفسه الذي ستتركه «كنداكة» السودان بعد قرابة عشرين عاماً.

الخرطوم: (صحيفة الحراك السياسي)

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية




زر الذهاب إلى الأعلى