تحقيقات وتقارير

إغلاق ميناء بورتسودان.. خسائر فادحة وبدائل ضارة

حالة من الشلل أصابت القطاعات الاقتصادية والحياة في السودان بعد تطاول أزمة إغلاق الشرق لأكثر من ثلاثة أسابيع ما دفع بعضها لإجراء حصر الخسائر اليومية التي تقدر بملايين الدولارات فيما لا تزال بعضها تعمل على حساب الخسائر فإلى أي مدى يمكن للخيارات البديلة في موانئ مصر وليبيا أن تسهم فى تدفق السلع وتخفيف الأزمة وماهي تكلفة الشحن من تلك الموانئ إلى السودان.
تطاول أزمة الشرق انعكس بشكل كبير على كافة مناحي الحياة بزيادة تعقيدات الوضع المعيشي اليومي للمواطنين بارتفاع الكثير من السلع خاصة السكر والدقيق وغيرها من السلع الضرورية إذ قفز سعر جوال السكر زنة 50 كيلو لأكثر من 22 ألف جنيه وكيلو الدقيق إلى 500جنيه وسط مخاوف من مزيد في ارتفاع أسعار السلع مع استمرار أزمة الإغلاق.
وتأتي على قائمة القطاعات المتضررة قطاع الصادر والوارد والذي ينعكس أيضاً على ضعف الإيرادات الحكومية إذ قدرت الخسائر ما بين 30 إلى 40 مليون دولار مما يؤثر في نهاية المطاف على الخدمات المقدمة للمواطنين.

خسائر كبيرة
كانت من أوائل القطاعات الاقتصادية التي أحصت الخسائر اليومية الغرفة القومية للمصدرين في السودان مشيرة إلى أن 33 مليون دولار يومياً هي قيمة الخسائر جراء توقف حركة الصادر مع إغلاق الموانئ بشرق البلاد، إذ كان يتوقع أن يتضاعف حجم الصادرات لهذا العام لسد العجز في الميزان التجاري.

مشكلات مزمنة :
مصادر موثوقة في القطاع الصناعي ذكرت أن القطاع تكبد خسائر كبيرة جراء توقف دخول مدخلات الإنتاج خاصة وأن القطاع يعانى أصلاً من مشكلات مزمنة تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص الكهرباء وارتفاع أسعارها إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود موضحة أن القطاع يعمل حالياً على إحصاء خسائره جراء الإغلاق والتي لا تقل عن ملايين الدولارات يومياً مضيفاً أن القطاع الصناعي تراجع خلال الثلاث سنوات بنسبة مقدرة لا تقل عن 60%بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة مدخلات الإنتاج وقطع الغيار وارتفاع تكلفة الطاقة.

نقص المخزون :
وتشير التقارير الحكومية إلى نقص كبير في مخزون الأدوية وعدد من السلع الاستراتيجية «الوقود والقمح»، وأن استمرار عملية إغلاق الميناء والطرق سيؤدي إلى انعدام تام للسلع والتأثير الكبير على توليد وإمداد الكهرباء بالبلاد.
وقال مصدر مسؤول في قطاع الأدوية إن القطاع سيقوم بحصر كافة خسائرة والتي لن تقل أيضاً عن ملايين الدولارات وتابع أن المشكلة تنحصر في أن بعض الأدوية قد تتعرض للتلف.

قطاع الماشية:
رئيس لجنة وكلاء مصدري الماشية بسواكن، حميد غوينم، قال إن إغلاق شرق السودان تسبب في إعاقة حركة الصادرات، وتكدست المواشي بمحاجر الخرطوم وكسلا والخوي وأم درمان وغيرها لإيقاف ترحيلها لموانئ الصادرات ببورتسودان، ما يكبد المصدرين يومياً خسائر فادحة، فضلاً عن الغرامات التي يتحملونها بسبب عدم الالتزام بعقود الصادرات مع الدول الخارجية منتقداً مماطلة الحكومة في حل أزمة الشرق والتي انسحبت آثارها السالبة على كافة مفاصل الاقتصاد السوداني، داعياً لاستثناء الصادرات من الإيقاف أسوة بالدواء وحركة نقل المواطنين وصادرات نفط جنوب السودان عبر بورتسودان وقال إن إجمالي صادرات السودان بلغ في الربع الأول من العام الحالي، من المنتجات الزراعية «الصمغ العربي، السمسم، الحبوب الزيتية والثروة الحيوانية» مليار ونصف المليار دولار، فيما تجاوزت الواردات من المواد البترولية والقمح والسلع الأساسية ملياري دولار.

قطاع النقل :
اتحاد غرف النقل السوداني، كشف عن خسائر يومية للقطاع تصل إلى 1.9 مليون دولار يومياً وأكد في دراسة حصلت عليها مصادر مطلعة حصرياً، أن الخسائر المالية اليومية لفقدان الإيرادات المتحصلة من قيمة نَوالين الترحيل للشاحنات والتناكر واللواري والدفارات السفرية.
وأشار إلى تكبد خسائر غرامات الترحيل التي تُفرض على الناقلين من أصحاب البضائع المشحونة والمُحمّلة على الشاحنات واللواري والدفارات السفرية بسبب التأخير، فضلاً عن غرامات التأخير الناجمة عن عدم الإيفاء بعقودات النقل مع الشركات.
وكشفت الدراسة، عن آثار فنية تتمثل في تأثر الشاحنات بالتوقف الذي ينعكس على تضرر أجزاء المركبات مثل الرؤوس والمقطورات وهي محملة بالبضائع، إضافةً إلى َالحاجة للصيانة، إلى جانب تأثر تناكر البترول وناقلات المحروقات بتلك المواد أيضاً.
كما نوهت إلى وجود آثارأخرى اجتماعية تتعلق بالسائقين والعمال، الذين يعتمدون على عملهم في تلك الشاحنات، وفنيي الصيانة وعمال الموانئ، علاوة على نقص إمداد الدواء بسبب التأخير، إضافة الى الآثار الأمنية الناتجة عن تكدس تلك الشاحنات وانتشار ظاهرة السرقة.

تجارب مريرة
وحول جدوى بدائل ميناء بورتسودان في تعويض فاقد الخسائر قال أحد اصحاب الأعمال أحمد الطيب أن تكلفة النقل بالرغم من أنها أقل خاصة من ميناء العين السخنة في مصر إلا أن الأفضل الاستيراد عبر ميناء بورتسودان للكثير من الاعتبارات لمصلحة اقتصاد البلاد.
ويقول الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية السابق عباس علي السيد لـ”السوداني” إن هناك تجارب مريرة بالنسبة للشحن عبر ميناء العين السخنة وتابع عندما كانت مشكلة التأخير للحاويات في بورتسودان قبل أشهر لجأ المستوردون للعين السخنة وكان هناك إغراء في التكلفة لكنهم تفاجأوا بارتفاع الرسوم في استغلال واضح للأزمة سابقاً لكن لا بد من معالجة أزمة الشرق حتى يعود ميناء بورتسودان للعمل كالمعتاد.
ومع إعلان الحكومة تسهيل دخول السلع من كافة المنافذ سارع عدد من أصحاب الأعمال إلى الاستيراد عبر الموانئ المصرية.

أشكيت زيادة الحركة
مدير معبر أشكيت الحدودي بين السودان ومصر عباس حسن كردي قال إن هناك زيادة كبيرة تصل لأكثر من 120% في حركة الشاحنات القادمة من الموانئ المصرية للسودان مقارنة بما قبل إغلاق شرق البلاد مؤكداً زيادة حركة الشاحنات القادمة عبر الموانئ المصرية لافتاً إلى دخول 86 شاحنة محملة بكافة أنواع السلع الغذائية بما فيها الدقيق ومدخلات الإنتاج الصناعي خلال يوم واحد، وقال إن نسبة زيادة حركة الشاحنات تجاوزت 120%عن ماهو معتاد والذي يصل نحو ٤٠ شاحنة يومياً كما توقع استمرار تدفق الشاحنات المحملة بالدقيق ومدخلات الإنتاج بعد إعلان الحكومة تسهيل دخول السلع من الموانئ المصرية موضحاً أن عدداً من الشحنات قادمة من دول شرق آسيا عن طريق الموانئ المصرية وتدخل البلاد عبر معبر أشكيت وأضاف ستكون هناك زيادة في الواردات بعد إعلان الحكومة فتح كافة منافذ الاستيراد عبر مصر وليبيا بحسب ترتيبات الموردين وتعاقداتهم.
وحول المخاوف من تكدس معبر أشكيت بعد زيادة حركة الشاحنات قال كردي إن معبر أرقين الحدودي بين البلدين يعمل بشكل جيد ولن يكون هناك أي تكدس.

والأربعاء أعلنت الحكومة، عن توجهها لتأمين احتياجات البلاد المستوردة عبر موانئ في مصر وليبيا وإرتريا بنظام العبور.
جاء ذلك في تصريحات لوزير التجارة والتموين السوداني علي جدو، نشرها مكتب الناطق الرسمي للحكومة عبر موقعه الإلكتروني وقال جدو إن بلاده تسعى لتأمين احتياجات البلاد من الخارج عبر مينائي العين السخنة والإسكندرية المصريين؛ وميناء بنغازي الليبي وميناء مصوع الإرتري موضحاً “البحثَ عن موانئ بديلة اقتضته التزامات الشركات المستوردة، التي وقعَّت عقوداً وصفقات مع بعض الدول”.وأضاف “لا يوجد قانون سارٍ يمنع الاستيراد عبر موانئ الدول، وإغلاق ميناء بورتسودان لا يجب أنْ يوقف حركة الاستيراد.
فئات واسعة من المجتمع حذرت من استمرار إغلاق الشرق وانعكاسه على القطاعات الاقتصادية كافة، وحياة المواطنين، وحدوث ندرة في السلع الضرورية.
وشددت على أهمية الوصول إلى تفاهمات عاجلة لتفادي العواقب الكارثية لإغلاق الشرق.

شح السلع
عدد من المصدرين والمستوردين ورجال الأعمال توقعوا حدوث شح في الكثير من السلع، بعد توقف الصادرات السودانية والواردات، مشددين على أهمية الوصول إلى حلول مع المحتجين في الشرق؛ مراعاة لمصلحة البلاد وقال رئيس غرفة مصدري الحبوب الزيتية محمد عباس إن قطاعات المصدرين لا تزال متوقفة عن عمليات شحن البضائع؛ بسبب إغلاق الطرق؛ الأمر الذي يؤدي لتكبدهم خسائر كبرى تقدر بملايين الدولارات، مؤكداً ضرورة وجود حلول سريعة تنقذ قطاعات الاقتصاد.
الرئيس السابق لغرفة المواد الغذائية باتحاد الغرف الصناعية، عبد الرحمن عباس أكد في حديثه أن الإغلاق يؤدي إلى تأخير الصادر والوارد وتعطيل موارد العملة الصعبة لمعالجة مشكلة المواطنين، والتسبب في حدوث ندرة في الأسواق كافة، وتوقف مدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي، وحدوث حالة من الشلل، مشدداً على أهمية أن تتحمل الدولة مسؤوليتها بإيقاف أي تخريب وتعطيل.

معدات:
ويشير صاحب عدد من المصانع عباس السيد في حديثه إلى أن القطاع الصناعي عاجز عن تجديد خطوط الإنتاج بالآليات والمعدات الحديثة بسبب سياسات بنك السودان التي منعت استيراد المعدات من الموارد الذاتية كما أن هوامش التمويل من البنوك السودانية غالبية وكانت يجب أن تنقص بعد استقرار الصرف لفترة طويلة.

أطماع دول
المحلل الاقتصادي، محمد الناير قال إن الشرق يمثل بُعداً استراتيجياً مهماً حيث فيه ساحل كبير يصل (750) كيلو متراً يشكل أطماعاً لعدة دول؛ مما يتطلب التعامل بحكمة مع منطقة البحر الأحمر، خاصة وأن ميناء بورتسودان يُعد منفذاً لعدد من الدول في الإقليم، وتابع: “كما أن (٩٠٪) من صادرات وواردات السودان تتم عبر موانئه عدا بعض الصادرات والواردات التي تتطلب طبيعتها التصدير عبر الطيران”.
وقال إن حجم التبادل التجاري بين السودان والدول الأخرى يتراوح ما بين (١١) إلى (١٢) مليار دولار سنوياً، ويمكن أن تؤدي عمليات الإغلاق إلى خسائر للبلاد لا تقل عن (٣٠) مليون دولار يومياً، فضلاً عن توقف إيرادات الموانئ التي تمثل ركيزة أساسية في الموازنة العامة للدولة، إلى جانب حالة الندرة التي تحدث في السلع الاستراتيجية.

دعامة رئيسية
المحلل الاقتصادي، هيثم فتحي، أشار في حديثه إلى أن الشرق هو الدعامة الرئيسة التي ترتكز عليها البرامج التنموية للدولة، نظراً لما للشرق من دور كبير وتأثير في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لافتاً إلى أن الشرق يُعتبر خطاً تجارياً بحرياً يستقبل جميع الموارد التجارية، ونقلها داخل السودان، بجانب أنه مصدر لتصدير المنتجات السودانية، خاصة الثروة الحيوانية، واستيراد السيارات والشاحنات بالآلاف، منوهاً إلى أنه نظراً لاعتماد السودان على الواردات في تغطية أكثر من (60%) من احتياجاته الرئيسية، إضافة إلى اعتماد عدد من بلدان الجوار السوداني، فإن الإغلاق سينعكس سلباً على حركة الصادر والوارد، وعلى أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية، وفي بعض البلدان المجاورة، ولفت إلى أن التأثير سيظهر في الأسواق المحلية والمجاورة من خلال ارتفاع أسعار السلع المستوردة مع احتمال ندرة بعضها وتأخير الشحنات الحيوية ونقص نفط في البلاد، وتعطل سلاسل توريد النفط.

تقرير – الطيب علي
الخرطوم: (صحيفة السوداني)

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية




اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى