تحقيقات وتقارير

التصعيد.. الهدوء .. ما يمكن أن يحدث في سودان الانتقال

في آخر خطابه أمام حشد جماهيري في قاعة المجلس التشريعي لولاية الخرطوم، يؤكد عضو مجلس السيادة، محمد الفكي، التزامهم بروح المسؤولية التي تتطلب الحفاظ على الدم السوداني، ويؤكد الفكي حرصهم على استقرار البلاد، وفي ذات الوقت الاستعداد لمواجهة الانقلاب الذي يتم الترتيب له انقلاب العسكر والمدنيين معاً. كان الفكي يتحدث عقب قرار رئيس مجلس السيادة بسحب القوات النظامية من مقار لجنة التفكيك، وكذلك من حراسة المواقع المستردة بواسطة اللجنة، لاحقاً أعادت الشرطة منسوبيها لحراسة المقر الرئيسي، وحراسة المقار المستردة، بينما بدا باب الانقسام مفتوحاً على مصراعيه، وسؤال مستقبل الشراكة المدنية العسكرية، دون إجابة، وأن الأمر تحدده تطورات المشهد لاحقاً.

العودة لمنصة التأسيس
استباقاً لما جرى في مقر لجنة التفكيك، كان بياناً لتجمع المهنيين السودانيين يطالب وبشكل واضح بإنهاء الشراكة وتمزيق الوثيقة الدستورية، والعودة بالثورة إلى منصة التأسيس، وهو ما يطلبه الشارع الذي عادت إليه هتافاته القديمة، وهو يردد بضرورة إسقاط المكون العسكري في السلطة الانتقالية، وتحقيق الانتقال المدني الكامل. وموقف تجمع المهنيين يُقرأ في سياق مواقفه السابقة التي جعلته يغادر منصة تحالف الحرية والتغيير، ويعلن موقفه الرافض للشراكة، ودعوته المتكررة لإسقاطها، كما أن الموقف المطالب بسقوط كل الحكومة الانتقالية جاء أيضاً في بيان للحزب الشيوعي السوداني، الذي طالب أيضاً باسقاط كامل الحكومة من أجل تحقيق أهداف الثورة، وإعادة بناء سودان للحرية السلام العدالة، في المقابل كان الصوت في الشارع يرتفع رافضاً الانقلاب العسكري.

خلافات الحاضنة السياسية
في محاولة لرسم صورة المشهد السوداني الراهن، يظهر وبشكل واضح ازدياد حدة الخلاف بين مكونات الحاضنة السياسية، التي دفعت برئيس مجلس السيادة للقول بإنه لن يمضي في التعامل مع مجموعة قامت بسرقة التغيير والثورة، ولم تعد تمثل كل طيف مكونات الثورة، وأن الحل في توسيع المشاركة للجميع. وفي الخطاب داخل لجنة تفكيك التمكين يقول وزير مجلس رئاسة الوزراء، خالد عمر يوسف، إن الانقلابيين ليسوا فقط هم العسكر فهناك مدنيون شركاء في الانقلاب، وهو الأمر الذي سرعان ما فرض السؤال حول ماهية المدنيين الذين يرغبون في الانقلاب؟ الإجابة تأتي عبر بيان ممهور بتوقيع الحرية والتغيير يهاجم ما سمَّاها مجموعة الأربعة، ممن قاموا بسرقة الثورة، ويعلن كامل التزامه باستمرار الشراكة مع العسكر، ويختم بتوقيعات الموافقين التي برزت فيها أسماء كل من جبريل إبراهيم، أركو مناوي، محمد سيد أحمد، محمد عصمت وبشرى الصائم، وممثل (تمازج) الفريق قرشي، وخميس جلاب، ونائب رئيس حزب الأمة إبراهيم الأمين، وعلي عسكوري، قبل أن ينفي عدد من الموقعين على البيان توقيعهم عليه، وإن وصف كثيرون ما جرى بأنه بمثابة توفير الحاضنة المدنية للانقلابيين، وإن كانت الصورة في ختامها تؤكد أن قوى الحرية والتغيير لم تعد واحدة، وبالطبع لم تعد على قلب موقف واحد.

مجموعة الأربعة
رفض اختطاف الثورة والتحدث باسمها من قبل (مجموعة الأربعة) التي أوصلت بسياساتها البلاد لهذا الانسداد السياسي والشقاق مع المكون العسكري، ونعمل على قيام (وفاق وطني) لكل قوى الثورة بالعودة لمنصة التأسيس بما يشمل الأحزاب السياسية، وأطراف السلام، ولجان المقاومة، ولجان الخدمات، ومنظمات المجتمع المدني، وبقية المكونات الإجتماعية المدنية والطرق الصوفية والإدارة الأهلية دون (عزل لأحد سوى المؤتمر الوطني المحلول). بيان مجموعة إصلاح الحرية والتغيير يرتبط بالاجتماعات الخاصة للمجلس المركزي (الحاضنة السياسية) الذي يخوض اجتماعات بهدف توحيد الرؤى فيما يتعلق بتنفيذ مطلوبات المرحلة الانتقالية، ويؤكد على فرضية أن النزاع هنا يرتبط وبشكل كبير بالمكونات الحزبية، وأن الطرف العسكري يحاول استغلال هذا الجانب من أجل الانقضاض على السلطة، وفي تعليقه المنتظر على الأحداث، قال رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، الذي لم يحدد موقفه بشكل قاطع، قال إن الأمر ليس معركة مدنيين وعسكريين، بل معركة بين المؤمنيين بالتحول الديمقراطي والراغبين في قطع الطريق عليه.

الشرطة توضح
في بيان وزارة الداخلية عادت الشرطة مرة أخرى للقيام بواجبها في حراسة مقر لجنة تفكيك التمكين، بعد أن انسحبت منها، البيان يقول إن الانسحاب تم بناء على تعليمات من جهات عليا، وأن العودة أيضاً ارتبطت بجهات عليا، وكان مقرر لجنة تفكيك التمكين صلاح مناع قد قال إنه بعد قرار الانسحاب اتصلوا بأعضاء السيادي من المكون العسكري، ولم يتم الاستجابة لهواتفهم، وعقب اجتماعهم مع رئيس الوزراء عادت الشرطة للقيام بواجبها، وهو أمر قد يطرح سؤالاً آخر هل تعليمات العودة تمت استجابة لطلب رئيس الوزراء، أم أن أحد أطراف المكون العسكري ممن لا يدعمون اتجاهات رئيسه في التصعيد هو الذي أمر بذلك؟ خصوصاً عقب تداول الأنباء عن قطع عضو مجلس السيادة، الفريق شمس الدين الكباشي، زيارته لبورتسودان، وعودته للخرطوم عقب تطورات الموقف، خصوصاً وأن الأخير بدا بعيداً عن دعوات التصعيد باتجاه المواجهة التي قادها رئيس مجلس السيادة ونائبه الفريق حميدتي، وهي عمليات تصعيد ظهرت في أعقاب تصريحات متوازنة لرئيس مجلس السيادة في حواره مع قناة (العربية).

تحركات أممية
في ردة فعله على ما يجري، علق رئيس مجلس الوزراء، عبد الله حمدوك، إنني أدعو كل الأطراف للالتزام بالوثيقة الدستورية، التزاماً صارماً، والابتعاد عن المواقف الأحادية، وأن تتحمل مسؤوليتها كاملة، وأن تتحمل بروح وطنية عالية تُقدِّم مصلحة بلادنا وشعبنا على ما عداها. بينما انخرط أمس رئيس بعثة (يونتامس)، فولكر، في اجتماعات مع أعضاء مجلس السيادة المدنيين، وكذلك مع نائب رئيس مجلس السيادة الفريق محمد حمدان دقلو، وقال فولكر: “استمعت إلى وجهات نظرهما، وحثثتهما على وقف التصعيد، والعودة إلى الحوار بين جميع مكونات الحكومة الانتقالية، يجب الحفاظ على الشراكة حتى لا تضيع المكاسب التي حققتها الثورة السودانية”، وهو الأمر الذي سيطرح سؤالاً عن مدى الالتزام به من قبل الشريكين، ولأي مدى يمكنهما القبول باستمرار الشراكة بعيداً عن لغة التصعيد والتصعيد المضاد؟

انقلاب ناعم
في السؤال عن تطورات الأوضاع في البلاد، والمستقبل الذي ينتظر الشراكة، وبالطبع تحقيق أهداف الثورة، تقول الصحفية والمحللة السياسية، درة قمبو: “انقلاب ناعم الآن يمضي بسلاسة حسب تصور صانعيه في المحور، متناسين حسابات الشارع تماماً”، الذي لن يؤبه له في هذه اللحظة، لكن سيفاجئهم ككل مرة، ويصل لنقاط بعيدة عن تصورهم، مثلما حدث في وقت سابق، درة تكشف أيضاً عن تورط مدنيين من مكونات القوى المنضوية تحت الحرية والتغيير فيه، حين تشير لحالة الانقسام الماثل تردف: “الانقلابيون ضمنوا موقف أبرز قوى الجبهة الثورية، وكذلك بعض قوى الحرية والتغيير المغاضبة، وربما شق حزب كبير صاحب وزن حقيقي”، وتقول: “لكن اكتمال الانقلاب يتطلب بدوره موافقة شخص واحد بنفض يده عن قوى الحرية والتغيير، وهو رئيس مجلس الوزراء، بينما ستقوم دول المحور الداعم للانقلاب بشراء الموقف الدولي الذي يدعمه، وعندها يكتمل المشهد تماماً”، لكنها تعود لتؤكد أن الشارع غير الموضوع في حسابات الجميع، سيقضي عليه، مثلما فعل في انقلاب الثالث من يونيو.

صوت العقلانية
المشهد الآن، تبدو الصورة في مقر لجنة تفكيك التمكين بالخرطوم هي ذاتها الصورة بالأمس، مواكب الثوار تمضي إلى هناك تحمل لافتات رفضها الانقلاب على الثورة، ودعمها للجنة في سبيل تفكيك بنية النظام المخلوع، لكن صوت إنهاء الشراكة يظل على الدوام هو الصوت الأعلى لدى الثوار، وهم يستعيدون تفاصيل ما حدث من العسكر في فض الاعتصام، ويؤكدون أن أعضاء السيادي هم امتداد طبيعي لنظام الرئيس المخلوع، وأن مؤسساته هي التي جاءت بهم .
يقف فولتر عند طلبه بضرورة الانصياع لصوت العقلانية في الاستمرار في الشراكة، وإنهاء حالة الصراع الراهن، لأن خساراتها ستكون كارثية في وضع البلاد بالغ الهشاشة، بينما يفسر فريق ثالث كل ما يجري بأنه امتداد للعبة السياسة ومكوناتها، وسعي كل طرف لتعظيم مكاسبه الذاتية التي تجعل من الحديث عن تحديد مسارات الانتقال بمثابة (قميص عثمان) الذي يرفعه الساسة في وجه الثوار كل ما ضاق بهم الحال.

تقرير – الزين عثمان
الخرطوم: (صحيفة السوداني)

 

 

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية




اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى