تحقيقات وتقارير

حول ما أثير عن موافقة القاهرة على تسليم صلاح قوش.. هل فعلاً تقدم النائب العام بطلب تسليمه؟

تفيد متابعات مصادر مطلعة بالعاصمة المصرية القاهرة، أن زيارة النائب العام كانت بروتوكولية ولم تطلب فيها الخرطوم تسليم قوش من الأساس. واستبعد خبراء مصريون التسليم، وأكدوا أن المطالبات عبر الإنتربول آلية ممتازة لرفع الحرج عن العلاقات بين البلدين.
نشرت وسائل الإعلام المحلية بشكل واسع على مدى اليومين الماضيين أن مصر وافقت مبدئياً على تسليم مدير جهاز الأمن الأسبق صلاح قوش، بعد رفضها في وقت سابق، وأرجعت تقارير صحفية ذلك إلى اختراق قد حدث في هذا الملف خلال زيارة النائب العام المستشار مبارك محمود الأخيرة للقاهرة قبل أيام، فهل وافقت القاهرة بالفعل على هذا التسليم؟

خبر التسليم
الخبر انتشر بشكل كبير نقلاً عن موقع (الترا سودان)، الذي كشفت فيه مصادر قال الموقع إنها (مطلعة) في النيابة العامة السودانية، عن موافقة مصر مبدئياً، على تسليم المطلوبين للنيابة، وعلى رأسهم مدير المخابرات السوداني السابق، صلاح عبد الله المعروف بـ(صلاح قوش)، وأشارت المصادر إلى أن النيابة توصلت لتفاهمات مع نظيرتها في مصر، بالموافقة المبدئية بشأن تسليم المطلوبين بالقاهرة، وقالت إن التفاهمات لم تتضمن حتى الآن، تحديد مدى زمني لتسليم المطلوبين، وكشفت عن عدد من المطلوبين، وذكرت أن قائمة المطلوبين تشمل الكثير من الأسماء من ضمنها، صلاح قوش، والأمين العام المساعد بجامعة الدول العربية، كمال حسن علي. الخبر تناول أيضاً أن السلطات المصرية رفضت طلباً للنائب العام السوداني السابق، تاج السر الحبر، بتسليم صلاح قوش، ثم شرعت الخرطوم في إجراءات استرداده عبر جهاز الشرطة الدولية (الإنتربول)، في بلاغات جنائية تتعلق بالإرهاب والفساد المالي والثراء المشبوه، وتعذيب المعتقلين إبان اندلاع الاحتجاجات في البلاد العام 2018.

ملخص الزيارة
وفي القاهرة نشرت وسائل الإعلام المصرية ملخصاً حول زيارة النائب العام في الخامس من الشهر الجاري، لم تذكر فيه أي معلومات عن تسليم القاهرة لقوش أو لأي من المطلوبين، وركزت على التوقيع على مذكرة تفاهم بشأن التعاون بين النيابتين اعترافاً بأهمية الاستمرار في تقويته لمكافحة الجريمة، وتعزيز سائر أوجه التعاون في الأمور ذات المصلحة المتبادَلة بما يتفق والتشريعات والاتفاقيات والمعاهدات النافذة في الدولتين، خاصة في مجالات مكافحة جرائم الإرهاب والجرائم المنظمة الوطنية والإلكترونية والاقتصادية وجرائم الفساد والاتِّجار غير المشروع بالبشر، وفي العقاقير والمخدرات، والممتلكات الثقافية، كما اتفق الطرفان في المذكرة على تبادل المعلومات بشأن الجريمة والظواهر الإجرامية، وحول النظام القانوني في الدولتين وتشريعاتهما والخبرة الدولية لهما في تلك المجالات، فضلاً عن التشاور في الأمور القانونية، وتبادل زيارات الخبراء بين النيابتين لرفع كفاءة الأعضاء بهما وتعزيز استخدام تكنولوجيا المعلومات وتقنيات التحول الرقمي في مجالات التعاون المُشار إليها.

زيارة بروتوكولية
وبالرجوع إلى خبر موافقة القاهرة على تسليم قوش نجد أن الخبر استند إلى مصادر قال إنها (مطلعة) ولم يفصح عنها، إلا أن وسائل الإعلام تعاملت معه وكأنه بيان عام من النيابة العامة، وجاءت العناوين بأن القاهرة وافقت بالفعل على تسليم قوش وآخرون. وللتأكد من صحة الخبر حاولت (السوداني) تقصي الحقيقة، وأفادت معلوماتنا بأن زيارة النائب العام للقاهرة قبل أيام كانت زيارة (بروتوكولية)، تم الاتفاق فيها على التعاون والتنسيق وتبادل الخبرات بين الجانبين، كما أكدت المعلومات أن النائب العام عبد الله محمود لم يطلب من الأساس تسليم قوش.

طلب أو حكم
وبالرجوع إلى تصريح سابق للسفير المصري لدى السودان حسام عيسى قبل عام من الآن، أكد فيه وجود رئيس جهاز الأمن والمخابرات الأسبق صلاح قوش في القاهرة، وأنه بتنسيق كامل بين قيادات السودان ومصر، وأضاف عيسى في مقابلة أجرتها معه صحيفة (حكايات) أن هنالك اتفاقية بين البلدين تنظم دخول المواطنين، إلا إذا طلبت دولة من أخرى عدم دخول شخص بعينه، أو إذا كان هنالكُ حكم صـادر عن محكمة ضده، وقال عيسى لن نسمح بأن يكون هنالك أي نشاط على أرض مصر ضد الثورة السودانية أو أي مخطط للنيل من أهدافها.

تسليم أم إبعاد
وبقراءة تصريح السفير المصري بشكل دقيق نجد أنه لم يذكر مفردة (تسليم)، ولكن عدم دخول وربما (إبعاد)، وهذا مرتبط أيضاً بطلب من الخرطوم، أو إذا كان هناك حكم صادر عن محكمة ضد هذا المطلوب، ويتطابق التصريح مع موقف مصري (ثابت) بأن مصر بابها مفتوح للجميع سودانياً كان أو عربياً، ويؤكد ذلك الموقف المصري في قضيتي الرئيس الأسبق جعفر نميري، والإمام الصادق المهدي زعيم حزب الأمة، فلم تسلم القاهرة نميري، وقامت بتوقيف الصادق المهدي بمطار القاهرة، ورفضت دخوله، واكتفت بذلك رغم أن المهدي كانت عليه أحكام وقتها وصلت أحداه إلى الإعدام والمؤبد، ولم تفعل ذلك إلا بعد ضغط كبير من الخرطوم، واتفاق بين البلدين بوقف (النشاط المعادي)، وبعد بقاء المهدي على الأراضي المصرية لشهور طويلة، وفعلت ذلك لتصميم المهدي لحضور اجتماع لـ(نداء السودان) في برلين، وطلبت القاهرة من المهدي عدم حضور هذا الاجتماع، إلا أنه رفض وذهب، وعند رجوعه قامت بتوقيفه في المطار.

حكم نهائي
بالتحليل المنطقي نرى أنه في حالة قوش، الأمر مختلف فليس هناك حكم نهائي ضد الرجل، وربما لم يكن هناك طلب من الخرطوم بتسليمه، وربما يرجع ذلك لانقسام مؤسسة الحكم بالبلاد حول هذا الطلب، فهناك من يرى أن قوش له دور كبير في الثورة، ويرى آخرون أنه مجرم ولابد من تسليمه، أما في قضية الأمين العام المساعد للجامعة العربية كمال حسن علي، فنرى أيضاً أنه ما زال يواصل عمله داخل الجامعة حتى انتهاء فترته في منتصف نوفمبر المقبل، التي بدأت منتصف نوفمبر من عام 2016، وقال كمال حسن علي من جانبه في خطاب سابق إلى وزراء الخارجية العرب، (ما عرض عليكم ما هو إلا تلفيق وادعاءات كاذبة ومزاعم لا أساس لها من الصحة)، مضيفاً أن الطلب المقدم من حكومة بلادي لإنهاء خدمتي لدى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية دافعه للأسف الشديد الخصومة السياسية التي بدأت في شكل ضغوط إعلامية ودبلوماسية، ولما لم تجد استجابة تحولت إلى إدعاءات جنائية تعمدت زوراً وبهتاناً اتهامي بالمسؤولية عن حادثة معسكر العيلفون المحزنة، وناشد علي الجامعة العربية عدم الاستجابة إلى طلب الحكومة الذي قال عنه، والاتهامات الباطلة، لأن ما أتعرض له من استهداف يقصد منه الإساءة لشخصي ولسجل عطائي في الجامعة، ولإقصائي من موقعي فيها، وقد أدركوا أن لا سبيل إلى إقصائي منه إلا بمثل هذه الافتراءات، وتابع: (المتهم برئ حتى تثبت إدانته فكيف أحاكم باتهامات باطلة دون إثبات، مع العلم أن المتبقي من مدتي الأولى حوالي 6 أشهر لا أتمسك بها إن كان ذلك قراركم، ولكني أصر على أن السبب المقدم لتحقيق هذا الهدف غير صحيح، وفيه ظلم بائن على شخصي الضعيف أربأ بمعاليكم أن يكون مجلسكم الموقر معبراً لإيقاع هذا الظلم عليّ). وباستمرار كمال حسن علي في منصبه، يتضح أن الجامعة أخذت بالتماسه وقررت مواصلة عمله حتى انتهاء فترته، علاوة على معلومات من مصادر قريبة من الجامعة العربية أكدت فيها لـ(السوداني) أن الخارجية السودانية سحبت ملف استبدال كمال حسن علي وإنهاء خدمته.

استبعاد التسليم
وفي استطلاع قامت به المصادر على مستوى النخبة المصرية المهتمة بالشأن السوداني استبعد السفير صلاح حليمة نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية فكرة تسليم القاهرة لصلاح قوش أو أي من المطلوبين السودانين. وقال حليمه: (في تقديري المسألة تتوقف على طبيعة العلاقات الراهنة بين مصر والسودان)، مضيفاً أن طبيعة العلاقة بين البلدين الآن ترجح أنه إذا طلبت الخرطوم بتسليم المطلوبين سيكون هناك تصرف مصري، إما بابلاغ المطلوبين بمغادرة البلاد أو بتسليم أنفسهم، مشيراً أن القضية تختلف بين صلاح قوش وكمال حسن علي، وقال إن كمال موجود بالجامعة العربية، ولديه نوع من الحصانة قد تفرض انتهاء فترة عمله أولاً، لافتاً إلى أن الخرطوم أيضاً يمكن أن تقدر الحرج الذي سيقع على مصر من هذا الطلب.

جدل سياسي
أما الدكتورة أماني الطويل مدير البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية فقالت من جانبها: “في تقديري – وفقاً للمتداول – أن الخرطوم طلبت ذلك عن طريق الإنتربول الدولي، وهي آلية ممتازة تجعل المسألة في إطار دولي أخف وطأة، وليست في إطار العلاقات بين البلدين)، مضيفة أن فكرة تسليم مصر للمطلوبين السودانيين أتصور فيها أن الإدراك الرسمي المصري تطور كثيراً عن فترة نميري، لافتة إلى أن القضية هي (جدل سياسي) متعارف عليه بعد الثورات، مستدركة في الوقت نفسه بأنه لا يوجد أحكام نهائية ضد هؤلاء المطلوبين، وقالت إنه على جهاز القضاء السوداني أن يحسم هذه القضايا، حتى يسهل الأمر على مستوى الإنتربول، وذكرت أن قضية الصادق المهدي كانت مختلفة، ورغم وجود أحكام نهائية ضده، إلا أن الرجل بجانب أنه كان زعيماً سياسياً كان زعيم طائفة كبيرة، ومن الصعب على أي دولة وليست مصر فقط أن تقوم بتسليمه، مضيفة: (صحيح تم توقيفه بالمطار، لكن الأمر تم احتواؤه بعد ذلك)، أما قوش فكان على رأس النظام السابق، ومارس أعمالاً إجرامية، ورأت أنه على هؤلاء المطلوبين – طالما وصلت الأمور – لمطالبات بالتسليم، أن يغادروا مصر من تلقاء أنفسهم.

القاهرة: صباح موسى
الخرطوم: (صحيفة السوداني)

 

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية




اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى