تحقيقات وتقارير

شُحنة الأسلحة.. ازدواجية وتداخل صلاحيات

بدا واضحاً مشهد ازدواجية وتداخل المهام والتخصُّصات بين إزالة التمكين ممثلة في نيابتها، والشرطة ممثلة في هيئة الجمارك في حالة الجدل والمُغالطات حول الصلاحيات الذي أثارته شحنة الأسلحة المضبوطة بمطار الخرطوم الدولي على متن طائرة قادمة من العاصمة الإثيوبية تشمل 72 صندوقاً تحتوي على ذخيرة وبنادق آلية.
وسارع في لحظتها عُضو لجنة إزالة التمكين وجدي صالح بالإعلان في الأجهزة الإعلامية عن أن السلاح المضبوط يتبع الأمن الشعبي، وأن جزءاً من الشحنة تسرّب من المطار إلى جهة غير معروفة، وتَمّ توجيه نيابة إزالة التمكين بتحرير خطاب لإدارة جمارك مطار الخرطوم بالحجز على مُحتويات الشُّحنة دُون الإشارة إلي وجود بلاغ ليتم بمُوجبه الحجز.
وفي المُقابل، ردّت رئاسة قوات الشرطة بإصدار بيان أوضحت فيه أن الشحنة المضبوطة تخص المُورِّد وائل شمس الدين الذي يعمل في مجال الإتجار بالأسلحة ولديه رخصة إتجار بالسلاح سارية المفعول صادرة من الإدارة العامة للمباحث والتحقيقات الجنائية، ومُلتزمٌ بتجديد رخصته سنوياً بانتظام، والشحنة المُشار إليها كانت محجوزة طرف الخطوط الإثيوبية.

تداخل المهام
الناظر والمُتفحِّص لحالة الجدل والمُغالطات التي ثارت بين هذه المُؤسّسات حول شحنة الأسلحة المضبوطة، يُلاحظ وبوضوح ازدواجية وتداخل المهام والتخصصات بين هذه المؤسسات المنوط بها حفظ الأمن وتحقيق العدالة، لكنها تبدو كأنها تسير في خطوط متوازية في اتّجاهات مُعاكسة وبسُرعات مختلفة في التعاطي مع الحدث كلٌّ حسب مُهمّته وتخصُّصه، فيما تُحاول الشرطة تبرئة ساحات الشحنة بالتأكيد على قانونيتها في بيانها بأنها دخلت البلاد عبر الطرق القانونية المشروعة وشرعت في إجراءات فك حجزها وتخليصها.
في المقابل، ذهبت لجنة التمكين في اتجاهٍ معاكسٍ، وقالت بعدم مشروعيتها، ومضت في تجريمها على لسان عضوها البارز وجدي صالح الذي أكد تبعيتها للأمن الشعبي، وأن جزءاً منها تسرب من المطار إلى جهة غير معروفة، وأصدرت نيابة إزالة التمكين بياناً أعلنت رفضها عملية فك حجز الشحنة وتخليصها واعتبرته تجاوزا لسلطات النيابة والقانون الجنائي، وشدد البيان على أن الجمارك لا تملك سلطة تقييم عمل النيابة.

ازدواجية
ويرى مختصون قانونيون أن هذا النوع من التداخل والازدواجية في المهام والاختصاصات بين المؤسسات الأمنية والعدلية من تداعياته خلق أرضاً خصبة لإثارة الشائعات المزعزعة للأمن والاستقرار في ظل حالة السيولة الأمنية التي تشهدها العاصمة هذه الأيام، فضلاً عما تسببه هذه الظاهرة من هدر مادي وبشري، وشدّدوا على صناع القرار ضرورة الالتفات لفك التداخُل والازدواجية في مهام واختصاصات الأجهزة الحكومية كظاهرة موروثة من النظام البائد وكانت متفشية بقوة ولا تزال تظهر في بعض التقاطعات بين المُؤسّسات، ونهايتها حتماً ستؤدي لدولة المؤسسات والقانون وخدمة المصالح العامة في الدولة بكاملة الشفافية.
ووصف الخبير وأستاذ القانون د. بخاري الجعلي لـ(الصيحة) ما يحدث بالمؤسف وأن تصل التقاطعات بين أجهزة الدولة لحد التناقض والتحدي في أمر يتعلق بأمن واستقرار البلاد.

حاكمية الشرطة
وأضاف د. بخاري أن الشرطة جهاز تنفيذي محكوم بقانونه ويتطلع به على الوجه الأكمل، وطبقاً لما رُشح عن حادثة الأسلحة التي يدور حولها جدلٌ وما قيل في بيان الشرطة أنها أسلحة مشروعة وكل أوراقها السليمة رغم أن الجمارك تحفّظت عليها في البدء، لكن عندما تبيّن لها أنها جاءت بالطريق القانوني وأوراقها سليمة وليس فيها تزوير، قامت بالإجراء الروتيني الذي يتم في اي رسالة تدخل حظيرتها، لكن البيان الذي أصدرته نيابة لجنة إزالة التمكين كان مفاجأة في اللهجة التي كُتب بها وتنطوي على التهديد والوعيد وهذا ما كان ينبغي أن يحدث، لأن سلطة التمكين محكومة بقانون بصرف النظر عن رؤية أهل القانون بشأن القانون الذي يحكم لجنة التمكين، لكن عدم وضوح الدولاب العدلي للجنة التمكين وأقصد بذلك استئناف قراراتها وما فوق مرحلة الاستئناف واضحٌ أنّه وإن كان موجوداً فهو على الورق، وبالتالي من المتوقع أن يحدث هذا التضارُب. وكنا نأمل ان تتم إدارة هذا الملف بعيداً عن روح التحدي بين اجهزة حساسة وبالغة الاهمية للمواطن وهي تلامس أمنه واستقراره بصورة مباشرة، فمن الطبيعي ان يقف المواطن مندهشاً في الأحوال الأمنية الحالية وهو يراقب ويتابع ما يدور بين هذا الجهازين من تعارض وتناقض بارز علناً في الأجهزة الإعلامية، فكل الذي يحدث يتطلب وضع النقاط فوق الحروف بصورة عاجلة وسلسلة.
وختم د. بخاري قائلاً: في تقديري أن الشرطة منذ اندلاع ونجاح الثورة المجيدة ظلت تقوم بمهام وأدوار متنوعة تكلفها أكثر مما هو في طاقتها وحدود إمكاناتها، بل لا تتناسب إمكاناتها مع حجم توسع مهامها في البلاد وتوسع تمدد أطراف العاصمة، ويضيف: ما يتقاضاه الشرطي لا يتماشى أو يتناسب مع هذا الضغط وما ينتظره منه المواطن.

أزمةٌ دبلوماسيّةٌ
تبقى قضية الأسلحة التي شغلت الرأي العام كثيراً، مثالاً لازدواجية القرارات، وأشار المحامي ياسر عثمان إلى أن القوانين القائمة ومنها قانون الجمارك وقانون الأسلحة من شأنها أن تحكم مثل تلك القضايا، وقال إن الشحنة التي كان يمكن أن تمر إجراءاتها القانونية بكل يسر حتى تصل المحاكم ويتم البت فيها، أصبحت فجأةً بتدخُّل لجنة إزالة التمكين قضية دبلوماسية، بعد أن تدخّلت فيها السفارة الإثيوبية والخطوط الجوية الإثيوبية، ولفت إلى أن لجنة التمكين تسببت في أزمة سياسية ما كان لها أن تكون خاصة في ظل وضعٍ مُحتقنٍ بين البلدين.

تقرير – الطيب محمد خير
الخرطوم: (صحيفة الصيحة)

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية




اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى