تحقيقات وتقارير

انسداد التفاوض بين الخرطوم وحركة الحلو لن يستمر طويلاً

الخلاف لا ينحصر في إشكالية فصل الدين عن الدولة كما هو معلن

غاب الحديث الجاد عن استئناف المفاوضات بين الحركة الشعبية، جناح عبدالعزيز الحلو والسلطة الانتقالية في السودان، كأن كل طرف ارتاح لهذه الصيغة التي تؤثر سلبا على التوجهات العامة لتوفير الأمن وتحقيق السلام الشامل في البلاد، خاصة أن الانسداد لن تقبل به قوى عديدة في الداخل والخارج، حيث يؤدي إلى انهيار ما تم التوصل إليه من تقدم في العملية السياسية برمتها.

ويعقد رئيس البعثة الأممية لدعم عملية الانتقال في السودان (يونيتامس) فولكر بيرتس اجتماعا تشاوريا في الخرطوم الأحد، لمناقشة طرق تنفيذ عمل لجنة وقف إطلاق النار الدائم وآلياتها الفرعية، وفقا لما نصت عليه اتفاقية السلام لتسريع خطوات تكوين جيش موحد في البلاد.

ولا تزال القوات التابعة للحركات المسلحة التي وقعت على اتفاقية السلام تعاني من تداعيات أزمة عدم إتمام الدمج والشروع في الترتيبات الأمنية بصورة عملية، وتتفاقم مع وجود قوات تابعة لحركة الحلو وأخرى تابعة لحركة تحرير السودان يقودها عبدالواحد نور بعيدة عن أطر السلام ما يجعل تحقيقه بصورة شاملة عملية مستحيلة.
وتتابع بعثة “يونيتامس” عملية السلام في السودان بالتنسيق بين قوى مختلفة للتوصل إلى المزيد من الاستقرار الذي يسمح بعودة النازحين واللاجئين وقطع خطوات كبيرة في مسألة التحول الديمقراطي وتعد هدفا لقوى مدنية منخرطة في السلطة وخارجها.
وقد أعادت الحركة الشعبية جناح الحلو قبل أيام التشديد على أهم شرطين أساسيين لنجاح أي مفاوضات مع الخرطوم وتوقيع اتفاق سلام معها، هما فصل الدين عن الدولة وتوحيد الجيوش السودانية، فهناك نحو 11 جيشا تابعا لحركات مسلحة.
وتسيطر الحركة الشعبية على مساحة كبيرة من الأراضي في إقليمي جنوب كردفان والنيل الأزرق في منطقة جنوب السودان، وتمتلك جيشا ضخما، وهي أكثر عددا وقوة من الجناح الذي يقوده مالك عقار ووقع على اتفاقية جوبا للسلام في أكتوبر الماضي كأحد عناصر الجبهة الثورية التي تتشكل من تنظيمات مسلحة وقوى سياسية عديدة.

وهناك حركتان كبيرتان خارج إطار اتفاق جوبا هما الحركة الشعبية، جناح الحلو، وحركة تحرير السودان اللتان عقدتا تفاهمات معا مؤخرا في إطار إعادة ترتيب أوراقهما للضغط على السلطة المركزية وإجبارها لتوقيع اتفاق يضمن تحقيق أهدافهما والحصول على مكاسب لا تقل عن حركات انخرطت في العملية السياسية قبلهما.
وأخفقت الحركة الشعبية التي يقودها الحلو والحكومة في التوصل إلى اتفاق شامل بعد عقد جولات عدة للمفاوضات بإشراف وساطة قامت بها دولة جنوب السودان، وجرى تعليق المحادثات في يونيو الماضي لأجل غير مسمى، على الرغم من التوصل لإعلان مبادئ في مارس الماضي كان يعول على تحويله إلى اتفاق نهائي.
وأشار إعلان المبادئ إلى تمسك الحلو بفصل الدين والهوية عن الدولة، لكن الوفد الحكومي ربط ذلك بسحب عبارتي “حق تقرر المصير” و”الإرادة الحرة”، وهو ما رفضته الحركة الشعبية بما يعني العودة إلى نقطة الصفر، الأمر الذي لن يكون مقبولا من قوى مختلفة، لأنه سوف يقود إلى إعادة الاصطفاف السلبي.
وتعتقد حركة الحلو أنه في حال تم الاتفاق على نظام علماني يكفل الحقوق المتساوية لجميع المواطنين سوف تسقط أسباب المطالبة بحق تقرير المصير الذي تتخوف منه الخرطوم خشية أن ينتهي إلى ما انتهت إليه جنوب السودان حيث نالت استقلالها.

ولا ينحصر الخلاف بين الحلو والسلطة الانتقالية في إشكالية فصل الدين عن الدولة كما هو معلن، فحسب تقديرات البعض من المراقبين هناك عشر نقاط جوهرية يدور حولها الخلاف، تمثل مشكلة عميقة، ولذلك وجد الطرفان في الهروب من التفاوض حلا مؤقتا لحين ترتيب الأوراق استعدادا لما تتمخض عنه الفترة الحالية من تداعيات.
ومن أبرز النقاط ما يتعلق بالشق الأمني، إذ اقترحت الحركة دمج جميع الجهات التي تحمل السلاح في القوات المسلحة، بما فيها قوات الدعم السريع ويرأسها نائب رئيس مجلس السيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، كشرط لدمج قوات الحركة، في حين تريد السلطة الانتهاء من ملف الترتيبات الأمنية المتعثر قبل إصلاح الجهاز الأمني.
وكان حمدان دقلو قد رفض خضوع قوات الدعم السريع إلى إجراءات الدمج وأعلن تحفظه على ضمها للجيش، ما أثار لغطا كبيرا بين الجانبين، لأن عملية توحيد الجيش ودمج قوات الدعم محسومة في وثيقة إعلان المبادئ بين الخرطوم وحركة الحلو.

ومن النقاط الخلافية تسمية الإقليمين (النيل الأزرق وجنوب كردفان) وحدودهما الجغرافية، ومركزية أو لامركزية السلطة القضائية وطبيعة النظام المصرفي، بجانب أن حركة الحلو تريد تقسيم المرحلة الانتقالية إلى مرحلتين، بينما طالبت الخرطوم بتأجيل البحث في هذه المسألة لحين توقيع اتفاقيات مع جميع الحركات المسلحة
وأكد وزير الدفاع السوداني ياسين إبراهيم ياسين التزام الحكومة بتنفيذ كل بنود الترتيبات الأمنية، وأن الحكومة الانتقالية وضعت السلام في مقدمة أولوياتها، وتدشين الترتيبات الأمنية في منطقة “أولو” يمثل المرحلة الأولى في هذا الملف، لافتا إلى أن “القوات التي ستدمج ستكون إضافة حقيقية للقوات المسلحة”.وما يضاعف من الأزمة الراهنة بين الخرطوم وحركة الحلو، أن قوات الحركة الشعبية بقيادة مالك عقار شرعت فعلا في تنفيذ بند الترتيبات الأمنية بمنطقة “أولو” بالنيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، حيث يعتبر عقار أن اكتمال هذه الخطوة يقود إلى تكوين جيش مهني موحد بعقيدة جديدة لحماية الدستور والسودان.

وأصدر رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان في يوليو الماضي قرارا بتشكيل اللجنة العليا المشتركة من الحكومة والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا لتنفيذ الترتيبات الأمنية، مهمتها تقديم الدعم اللوجستي وتجميع مقاتلي الحركات المسلحة والإشراف على الدمج والتسريح، وتشكيل لجنة وقف إطلاق النار الدائم.
ويقول مراقبون إن المناورات التي يقوم بها كل جانب سوف تفضي إلى المزيد من التعقيدات الأمنية، في وقت لا يحتمل العودة إلى المرحلة السابقة بكل ما حملته من قتامة سياسية وأمنية، لذلك فالانسداد لن يتم السماح به طويلا بين حركة الحلو والخرطوم، ومن المرجح أن تتدخل البعثة الأممية سريعا لوضع حد له، والتوصل إلى قواسم مشتركة تعيد الحياة إلى المفاوضات بين الجانبين.

(جريدة العرب اللندنية)

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية




اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى