تحقيقات وتقارير

المفارقات السياسية.. تناقضات في المشهد

 

يحفل الوسط السياسي السوداني بالعديد من المفارقات والمتناقضات التي تثير الحيرة تارة والغضب والإحباط تارة أخرى.. ولعل آخر تلك المفارقات أن يسدد المواطن ثمن الخدمة التي يريد الحصول عليها مقدماً كالكهرباء ومع ذلك لا تتوفر له، ولا تحفل حكومة الثورة ووزراؤها بمعاناته..
وغض النظر عن طبيعة المثال وارتباطه بالخدمات إلا أن المشهد السياسي يشهد الكثير منها..

 

غياب الثورة.. وجوه سادت ثم بادت
ولعل آخر المفارقات هو غياب معظم الوجوه الثورية التي تزعمت حراك ديسمبر المجيد عن الجهاز التنفيذي خصوصاً عقب مغادرة وزير الصناعة والتجارة السابق مدني عباس مدني باعتبار أن الرجل كان مقرر فريق التفاوض والاتصال بالمكون العسكري من جانب قوى الحرية والتغيير..
كذلك خروج د. أمجد فريد عضو لجنة أطباء السودان المركزية وممثلها الأسبق في تجمع المهنيين من المشهد بعد مغادرته مكتب رئيس الوزراء..
أيضاً اختفت العديد من الأسماء أو انزوت بعيداً عن الأضواء كـ قمرية عمر، السيدة التي حملت على كتفها مقررية تنسيقية التجمع في الوقت الذي اختبأ فيه الرجال، كذلك محمد فاروق سليمان القيادي بالتحالف السوداني ونائب الرئيس فيه، بالإضافة إلى ابتعاد صديق فاروق من المشهد بعد مغادرة الشيوعي السوداني لتحالف الحرية والتغيير والإجماع الوطني.

 

التخوين المتبادل.. الشارع وقحت
كذلك من المفارقات الموصوفة بالمحزنة تفشي سيناريو التخوين سواء بين القوى السياسية فيما بعضها البعض أو بينها ككل وبين الشارع الذي بات يرى في الحرية والتغيير الحاضنة السياسية والقوى التي وفرت الغطاء السياسي للثورة المجيدة يرى كأنها متخاذلة عن حقوق الشهداء والقصاص لهم وتحقيق العدالة فضلاً عن تفسيرها لكل مبادرة للعسكر بأنها خصماً على المدنية، مرجعاً السبب إلى هبوط ناعم لقوى الثورة وضعف في مكونات قوى الحرية والتغيير فضلاً عن اتهامها بالمحاصصات الحزبية على حساب أهداف وقيم الثورة ، ما أفرز نوعاً من الاحباط في الشارع العام تجاه الحكومة وأدائها بالإضافة إلى نفور من الحرية والتغيير يتم توظيفه من قبل منسوبي النظام البائد في توسيع الفرقة بين الشارع والحاضنة السياسية للحكومة.

 

(الكيزان) في المشهد.. لماذا؟
أسوأ المفارقات التي يعيشها الواقع السوداني استمرار وجود الكثير من عناصر النظام البائد في مؤسسات الخدمة المدنية متمتعين بالكثير من المخصصات التي كانت سببا في وصول البلاد الى حافة الانهيار، ما فرض على الشارع العديد من الاستفهامات حول ما إذا كانت ثمة صفقة ما تمت في الخفاء مع الإسلاميين، أم أنهم محميون بالعسكر الذين لم يصيبوا منهم ولا عشر ما أصابوه من الثوار والمناضلين.. بيد أن أخطر الاسئلة هي تلك المرتبطة بحسب الكثيرين بين بقايا الإسلاميين في المشهد وبين دور لجنة إزالة التمكين، وتحركها في هامش غير معني بخدمة الثورة كقضايا الأراضي والممتلكات الخاصة بعيداً عن مجموعات الشركات الحكومية التي تآكل من الدولة والمواطن فضلاً عن الشركات العسكرية التي ما تزال امبراطورية خارج سلطات وزارة المالية وسيطرة الدولة السودانية..

 

الإعلام .. وجع الكثيرين المؤسف
العديد من الإعلاميين والصحفيين يذهبون إلى أن الترجمة الحقيقية لنجاح الثورة كان لا بد أن يظهر في الإعلام الرسمي والخاص، منوهين إلى أن أبرز المفارقات في المشهد هو الإعلام الرسمي الخجول والباهت والحائر في التعبير عن وجود ثورة حقيقية بالسودان.. ويركز كثير من المراقبين على أن الصحف ما تزال تمارس هوايتها القديمة في تمرير الكثير من سيناريوهات الإثارة غير الحميدة على السودانيين وكأنما تتآمر على الثورة.
بيد أن أخطرالمفارقات بحسبهم تتمثل في تغييب المعلومة التي كان يمارسها النظام السابق في ظل وجود محسوبين على الثورة في المواقع المختلفة ورغماً عن مرور عامين بالتمام والكمال على ثورة ديسمبر المجيدة، ويرون أن ثمة ضعف حقيقي وواضح في أداء وزارة الإعلام وقيامها بدورها في التأسيس لإعلام وطني حقيقي يعكس هيبة وجمال وروعة وقيم السودان وثورته.

 

المبعدون من الوزارة.. سيناريو الدهشة
صدمة كبرى عمت الشارع السوداني إزاء مفارقة إبعاد أسماء محددة من الوزارة والجهاز التنفيذي سواء أن تلك الأسماء كان لها وضوحها وشفافيتها مع الشارع العام في الكشف عما هو مخفي أو ابراز الحقائق بشكل غير مالوف للسودانيين.. ولعل أبرز النماذج على ذلك هو إبعاد وزير الصحة الأسبق د.أكرم علي التوم من موقعه بعدما أعلن الرجل الحرب على كل ما هو تجارة في صحة السودانيين سواء الدواء أو المستشفيات الخاصة وصولاً إلى مجانية الصحة بتقوية المستشفيات الحكومية.. أحلام أكرم في إراحة شعبه لم تر النور إذ قطع الطريق عليها ما يصفه البعض مؤامرات المافيا صاحبة الأذرع الممتدة في كل مكان..
لم يكن حظ وزير التربية والتعليم ب. محمد الأمين التوم بأفضل من أكرم فالرجل أراد أن ينهض بعقل أبناء شعبه وأطفالهم عبر إعادة الروح للمناهج الدراسية، إلا أنه ذهب ضحية مواقفه عبر ما عرف في الأوساط بالنكتة (البايخة) إذ جاء إعلان التشكيل الحكومي الأخير بدونه قبل أن يتسرب خبر إبعاده بسبب الفحص الأمني..
أيضا د. عمر القراي مدير المناهج وصاحب النصيب الأكبر في إثارة غضب فقهاء السلطان ومنسوبي النظام البائد، ذهب ضحية عدم استيعاب الكثيرين إلا أنه وببساطة ليس معنياً بوضع منهج بل مشرفاً على لجان وضع المناهج، فضلاً عن قرارات رئيس الوزراء الذي أتى به، وساهمت في إضعاف موقفه إزاء أعداء الإنسان السوداني من المتاسلمين..

 

توقيع البرهان.. لماذا صمت الكباشي؟
أكثر المفارقات إثارة لضحك الشارع العام وأثارت سخريته في الآونة الأخيرة، هو عودة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان إلى ذات الإعلان الذي سبقه فيه رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك في أديس أبابا سبتمبر 2020م وعرف بإعلان المبادئ بين الحكومة والحركة الشعبية شمال بقيادة عبد لعزيز الحلو..
وقتها خرج عضو مجلس السيادة شمس الدين الكباشي معلناً أن ذلك الإعلان (منحة من لا يملك لمن لا يستحق) الأمر الذي أثار الشارع السوداني لعدم مسؤولية التصريح وكونه صادر من مكون لا ينبغي له التدخل في الشأن السياسي.. لكن رئيس الوزراء حمدوك وقتها التزم الصمت ولم يقم باتخاذ أي رد فعل إلا بعد مضي مدة طويلة، معلناً أن من وقع على الإعلان هو من أتى به الشعب، في إشارة فسرها الكثيرون ضربا في شرعية لوجود الكباشي نفسه ضمن المشهد..
المفارقة الحالية تجسدت في صمت الرجل على الرغم من توقيع البرهان نفسه على ذات الإعلان بعد ستة أشهر بالتمام والكمال، فضلاً عن صمت فقهاء السلطان الذين هاجموا توقيع رئيس الوزراء باعتباره رجس من عمل الشيطان..

تجمع المهنيين.. انقسام أيقونة الثورة
أوجع المفارقات التي تعيشها الثورة السودانية تمثلت في مراهنة الشارع على الجيل الذي قاد تجمع المهنيين السودانيين إبان ثورة ديسمبر المجيدة، وافترض فيه القدرة على القفز على تشوهات الواقع السياسي السوداني وأمراضه، ليتفاجأ الجميع، بحدوث انقسام في أيقونة الثورة السودانية عقب ما يعرف بانتخابات السكرتارية الجديدة التي تقود المهنيين حالياً..
كذلك وجود العديد من الأسماء التي أدارت دولاب العمل داخل التجمع ضمن المعسكر الآخر الذي لا يحفل بشكل فعلي بتكوين المجلس التشريعي المعبر عن إرادة الثورة والثوار بحسب توصيفات قيادات السكرتارية الجديدة.

الوثيقة الدستورية.. المفارقة التي تعصف بالسودان
وبحسب الوقائع فإن أبرز المفارقات تمثلت في خروج مكونات الحرية والتغيير وأطراف الوثيقة الدستورية والموقعين عليها على نصوصها وتجاوزها، وإحداث نوع من التجاوزات الموصوفة بالمرفوضة..
ولعل أبرز تلك التجاوزات تعديلها رغماً عن أن النص المعني بتعديل الوثيقة يحدد المجلس التشريعي باعتباره الجهة المعنية بالإجراء.. كذلك من المفارقات إيجاد جسم جديد ضمن مستويات السلطة تم توصيفه بالتنسيقي وهو مجلس الشركاء، إلا أن أبرز مواقفة تعكس بشكل واضح دوره التنفيذي من خلال خروج متحدثه الرسمي د. مريم الصادق المهدي وإعلانها أن تشكيل الحكومة وفق إصرار المجلس سيكون في 15 فبراير الماضي.
كذلك تأخر كل المصفوفة الزمنية المعنية بتنفيذ ما ورد بالوثيقة فضلاً عن تجاوز حل الدعم السريع ودمجه في القوات المسلحة ن فضلاً عن إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية وإصلاحها.
ولعل آخر مشاهد المفارقات هو امتلاء عاصمة البلاد بما يقارب الخمسة جيوش لمختلف الأطراف الموقعة على اتفاق سلام في سيناريو اعتبره المواطنون مخيفاً للغاية حال حدثت انفلاتات أو احتكاكات لا تحمد عقباها. فيما يرى البعض أن أسخف المفارقات أن معظم قيادات أطراف العملية السلمية في البلاد تمركزت في الخرطوم ولم تذهب لمخاطبة أهالي المصلحة الذين رفعوا السلاح من أجلهم، وبقائهم يناطحون بحثاً عن امتيازات ووظائف ومخصصات كما يتداول الناشطون.

 

الخرطوم: عمرو شعبان
الخرطوم: (صحيفة السوداني)

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب

قروبات كوش نيوز الإضافية




اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى