ما يجري في الشرق الآن يطرح التساؤل ؟!

مثل التي نفشت صوفها بيدها بعد أن غزلته تجد الحكومة الانتقالية ممثلة في مجلسيها الوزاري والسيادي نفسها في موقف لا تحسد عليه في ما يتعلق بمآلات الأحداث في شرق السودان.. الوالي الذي اختارته الحاضنة ووافق عليه حمدوك رئيس الوزراء قبل أن يبصم عليه بالموافقة مجلس السيادة بدا وكأنه الثقاب الذي يشعل فتيل النزاعات هناك. المطالبات بإعادة النظر في الاختيار لم تكن لتجد صوت استجابة مثلها والمطالب بأن تكون السلطة بحجم قراراتها وأن تسعى لتنفيذها على أرض الواقع.
بينما كان الواقع على الأرض يرسم صورة مغايرة تماماً. الشرق يزحف بفقره وقلة تنميته نحو خيارات التصعيد، مكونات قبلية كاملة ترفض تسمية الوالي وتعتصم برفضها وتهدد بالمطالبة بحق تقرير المصير وتعقد مؤتمراتها وبحضور نائب رئيس مجلس السيادة الذي يوقع على اتفاق سلام جوبا بما في ذلك مسار الشرق ويستلم في الوقت نفسه مخرجات مؤتمر سنكات التي تطالب بإلغاء مسار الشرق من اتفاق السلام وهي الخطوة التي عززت من فرضية الكثيرين بمسؤولية الحكومة عن تفاقم الأزمة ومن تعاملها معها بلا مبالاة أو أنها كانت تراهن على عامل الزمن في أن يضع حلا للمعضلة التي صنعتها بيدها.
ربما تضطر الحكومة لإصدار قرار بإقالة صالح عمار من منصبه الذي عينته فيه كأحد مطلوبات الحل للأزمة في الوقت الراهن لكن في الوقت ذاته سيطرح الواقع سؤالا آخر: هب أن ذلك حدث فهل سيكون حلاً للأزمة التي تجاوزت كونها أزمة ذات طابع سياسي إلى أزمة ذات طابع إثني وقبلي هنا ستجد الحكومة نفسها في مواجهة أن إرضاء الأطراف في سنكات من شأنه إثارة حفيظة الطرف الآخر الذي ينحدر منه صالح وأن كل ما حدث هو نقل الغبينة من مجموعة الى أخرى وهو ما سيزيد من التداعيات ولن يضع لها علاجاً.
حسناً.. بحسب مخرجات اتفاقية السلام بين الجبهة الثورية والحكومة الانتقالية فإن نظاماً جديداً للحكم سيتشكل وهو النظام الإقليمي مما يمكن أن يذوب كسلا نفسها في الإقليم الشرقي الذي سيشمل أيضاً بورتسودان والقضارف لكن هذا الأمر لن يتم إلا بعد ستة شهور هذا في حال مضت اتفاقية السلام وفقاً للترتيبات واستطاعت العبور فوق متاهات الرفض الراهن لها لكن في المقابل فإن الأمر ايضاً من شأنه أن يطرح تساؤلاً آخر: كيف بالإمكان الاتفاق علي حاكم واحد بعد تذويب الولايات في المنطقة المحتقنة بنزاعاتها وصراعاتها وحالة الاستقطاب الإثني؟
تعود الحكومة لاستدعاء معالجاتها المعلومة منذ بدء فترتها بالضرورة تتراجع عن قراراتها أو تحاول أن ترى في المؤتمر التشاوري آخر الحلول المتاحة وهو ما يدفع الكثيرين لتوقع أن يتضمن معظم المخرجات الواردة في مؤتمر سنكات عقب التصعيد الأخير لكن الاستجابة لهذه المطلوبات ستضع الحكومة أيضاً في فتيل كونها استجابت لضغط مجموعة إثنية وسيدفع الاخرين لتبني ذات السلوك حيث يتوقع البعض أن تقوم المجموعات المناصرة لصالح عمار بإغلاق مدينة كسلا تحت شعار أنه ليس لمجموعة فضل على أخرى وهو ما يعني أن ينزل سلاح مجموعة قبلية ليصعد سلاح مجموعة أخرى وأنه لا حلول في الأفق أو أنها قد فتحت عليه بابا يصعب إغلاقه في الوقت الراهن وهو باب الاستقطاب الإثني حيث تم بالأمس توقيع مذكرة تفاهم بين المجموعة الموقعة على المسار ومجموعة سليمان بيتاي. ورغم أن البيان قال إنه واتساقاً مع قناعتنا بضرورة ترسيخ وتعزيز السلام المجتمعي في شرق السودان ندعو إلى نبذ خطاب الكراهية والإقصاء وندعو للاحتكام الى صوت العقل والجلوس بدون أي شروط للتفاكر والتشاور للوصول إلى حلول مرضية للجميع تسهم في إعادة اللحمة بين جميع مكونات الشرق. لكن الأمر في ختامه لم يكن سوى امتداد لحالة الاستقطاب.
يقول أحد الداعمين لمسار الشرق تعليقا على ما يجري الآن إن الحكومة تصر على المضي في اتجاه أخطائها وذلك عبر استجابتها لضغوط مجموعة بعينها وهو ما سيؤدي حتماً لردة فعل من المجموعات الأخرى التي لن يرضيها ما حدث مما يعني البقاء في ذات المحطة دون تغيير وفتح الباب علي مصراعيه أمام سيناريوهات قد تكون كارثية.
يتساءل الصحفي السوداني ورئيس تحرير صحيفة السياسي عثمان فضل (ألم يكن أكرم لصالح عمار وقوى الحرية والتغيير وجميع من ساند بقاء الرجل في منصبه رغم أنه واضح أن قرار تعينه لم يكن موفقا.. ألم يكن أكرم لهم وله أن يتقدم باستقالته مع بداية الأزمة..كان نجا الحكومة والبلد من مزالق كتيرة جدا ستكون بدايتها إقالة الوالي ولن تنتهي بإلغاء مسار الشرق) تغريدة فضل لم تكن سوى تأكيد على أن الحكومة تواصل التغريد في سرب أخطائها ومن ثمة تعود للتراجع عنها حيث لا يجدي الندم.
الخرطوم : الزين عثمان
صحيفة ( اليوم التالي)