تحقيقات وتقارير

(الشعبية) جناح الحلو.. نظرة ثاقبة من (فوق) الدستور!

دعت الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، القوى السياسية للاتفاق على مبادئ توضح طبيعة الدولة وعلاقتها بالدين ونظام الحُكم، على أن تكون هذه المبادئ فوق الدستور بحيث لا يجوز إلغاءها أو تعديلها. وهو الوقت ذاته التي تعج فيه الساحة السياسية بعدة تعقيدات، أبرزها النظرة الآنية التي يتجاذب حولها مكونات الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية حول طبيعة تحالف الحرية والتغيير نفسه، هذا بالإضافة إلى حالة التصدعات التي تنتاب قوى الكفاح المسلح وتباين رؤيتها حول السلام وقيام الدولة الوطنية المدنية ، فضلاً عن أن أمراض اللاتفاق باتت تضرب حتى المكون العسكري الشريك الأول في أجهزة الحكم الانتقالي. ومابين كل هذه التناقضات والتشاكسات وبين رؤية الحركة الشعبية جناح عبدالعزيز الحلو، تكمن مشكلة الدولة السودانية المبعثرة بين عدد مهول من النظريات السياسية التي تختلف حول طبيعة الدولة السودانية وحكمها، قبل أن تختلف وتتصارع حول من يحكم الدولة السودانية نفسها. ومن ثم تظل الحاجة ماثلة أمام القوى السياسية بضرورة تقديم أطروحات شجاعة وجرئية لمستقبل الدولة السودانية وتأسيس قاعدة إلتزام عريض حول ماهيتها، قبل الولوج في تفصيل حيثيات الدستور الذي ينبغي أن يحكمها.
رؤية الحلو الراهنة
في خواتيم الأسبوع المنصرم، دعت الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، القوى السياسية للاتفاق على مبادئ توضح طبيعة الدولة وعلاقتها بالدين ونظام الحُكم، على أن تكون هذه المبادئ فوق الدستور بحيث لا يجوز إلغاءها أو تعديلها. وقال السكرتير العام للحركة، عمار آمون دلدوم، في بيان، اطلعت عليه (الجريدة) أمس الأول (الخميس)، ندعو كافة القوى السياسية للاتفاق على مباديء توضِّح طبيعة الدولة وعلاقتها بالدين، وقضايا الهوية، ونظام الحكم، وغيرها من أُمهات القضايا، لتكون هذه المباديء (فوق الدستور)، موجِّهة له بحيث لا يجوز إلغائها أو تعديلها مُستقبلاً – لضمان الوحدة والإستقرار والتقدُّم”. وأشاد آمون بموقف حزب المؤتمر السوداني الذي أكد صحة رؤية الحركة فيما يتعلق بعلاقة الدولة بالدين، وقال إنه موقف شجاع يقود لبناء دولة تسع الجميع. ودعا آمون المؤتمر السوداني لتأسيس عمل مُشترك من أجل إرساء وتعزيز قيم بناء نظام لا مركزي ديمقراطي يعترف بالتعدد والتنوع. وأضاف: “وندعو أيضًا كافة القوَى السياسية السودانية للاستفادة من هذه الفرصة النادرة التي منحتها ثورة ديسمبر المجيدة 2018، للعمل على تجاوز إخفاقات النُخب والحكومات السابقة، و مُخاطبة جذور الأزمة السودانية و بناء دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية ترتكز على الحُرية والعدالة والمُساواة، لتكون دولة تسع الجميع”.
منذ البداية
تمسكت الحركة الشعبية قيادة (عبد العزيز الحلو) بـ(العلمانية أساسا للحكم في الفترة المقبلة في السودان، حسبما صرح بذلك عدد من قيادات الحركة وفي مناسبات مختلفة ، معتبرين أن البديل هو اللجوء الى حق تقرير المصير في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، الواقعتين تحت سيطرة قوات الحركة. في أكتوبر الماضي بعد أن تم تعليق التفاوض مع حركة عبدالعزيز الحلو لمدة شهر، كان الناطق باسمها الجاك محمود، كشف لعدد من الصحف النقاط المختلف عليها بين الحركة والحكومة، قائلاً: «بعد يومين من الاتفاق على ملفات التفاوض، فريقنا المفاوض قدم ورقة رسمية للوساطة، تحتوي مقترحات لإعلان المبادئ، وخريطة طريق تحكم العملية التفاوضية، عقدنا جلستين، لكن تعثرت هذه المفاوضات بسبب الاختلاف على نقاط جوهرية مع ان معظم النقاط كانت محل اتفاق». وبين أن «النقاط المختلف عليها تتعلق بقضية الدين والدولة العلمانية، الوفد الحكومي رفض النص حول علمانية الدولة في إعلان المبادئ، هم يرون أن هذه قضية لا يمكنهم اتخاذ القرار بشأنها، ويرون ضرورة إحالتها للمؤتمر الدستوري». وتابع: «نحن في الحركة الشعبية نرفض تأجيل واحدة من جذور الأزمة، ومشكلة جوهرية، مثل قضية علاقة الدين بالدولة، ونرفض معالجتها في المؤتمر الدستوري». واعتبر أن «فكرة المؤتمر الدستوري هي فكرة للحركة الشعبية منذ الثمانينات، ولكن الآن هناك أوضاع مختلفة وواقع جديد على الأرض، طوال الـ 30 سنة الماضية من عهد البشير البائد تم استنساخ أكثر من 150 حزبا وتنظيما ولديهم جميعاً مشتركات أيديولوجية، فهي من صنيعة نظام حزب المؤتمر الوطني المخلوع». وبخصوص مطالبتهم بحق تقرير المصير للمنطقتين جنوب كردفان والنيل الأزرق، قال: «حق تقرير المصير موقف تفاوضي، بالنسبة للحركة، اقترحنا علمانية الدولة كمبدأ، وهذا خط أحمر غير قابل للتنازل، أما حق تقرير المصير فجاء في سياق الشرط، بمعنى إذا رفض الطرف الآخر علمانية الدولة وبناء دولة قابلة للحياة تقف على مسافة واحدة من كل الأديان وتقوم الحقوق فيها على أساس المواطنة وتتمسك بقوانين الشريعة الإسلامية، ستتمسك الحركة بدورها بتقرير المصير».
الرأي الحكومي
لم تتبلور رؤية حكومية رسمية وواضحة حتى الآن حول موقفهم من علمانية الدولة التي تتمسك بها حركة عبدالعزيز الحلو وتضعها شرطاً جوهرياً لاتمام السلام، إلا أن رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك فور عودته إلى الخرطوم من مدينة كادوا (في جنوب كردفان، وهي معقل الحركة الشعبية)في يناير الماضي، كان قال أوضح بإن طرح “الحركة الشعبية ـ شمال ـ جناح عبد العزيز الحلو” ، للعلمانية هو أمر قديم ومطروح الآن في مفاوضات السلام في جوبا ، لافتا إلى أن الأمر قيد البحث والتفاوض. وأضاف حمدوك ، في تصريحات للصحفيين حين عودته الخرطوم ، أن كل شيئ مطروح للنقاش من أجل الوصول إلى السلام، مؤكدا على حق الحركات المسلحة في طرح أي موضوع يرونه. ودعا إلى ضرورة الاستفادة من الفرصة التاريخية المتاحة حاليا للوصول إلى السلام ، مشيرا إلى أن الحركات المسلحة شريكة في الثورة. وأعرب عن تفاؤله بالوصول إلى توافق حول كل الموضوعات، واحساسه برغبة صادقة في السلام ، خلال زيارته لكاودا ، مشيرا إلى أن الزيارة ستفتح المجال واسعا لتحقيق السلام في فترة وجيزة. وقال إن تلك الزيارة تمت تلبية لدعوة من عبد العزيز الحلو ، مشيدا بالاستقبال الذي حظى الوفد الحكومي به ، وأضاف “خلال الزيارة تلمست رغبة المواطنين في السلام، وتمت إدارة نقاش جاد في اجتماعات مغلقة ولقاءات مفتوحة، والبلاد الآن تمتلك فرصة تاريخية لتحقيق السلام”. وفي لقائه بالأمس مع بعض رؤساء تحرير الصحف وقادة الرأي، أكد حمدوك بأن التواصل مستمر مع حركة عبدالعزيز الحلو وأن التشاور معهم مفتوح ويكاد لا ينقطع.

 

مواقف حزبية
أعلن حزب المؤتمر السوداني، الأسبوع الماضي وقوفه مع الحركة التي تشترط إقرار العلمانية في البلاد أو منح المنطقتين (شمال كردفان والنيل الأزرق) حق تقرير المصير، وذلك قبل البدء في العملية السلمية. وقال: “نؤكد على عدالة موقف الحركة الشعبية بضرورة معالجة قضية علاقة الدين بالدولة، بصورة تمايز بينهما بوضوح، كلازمة من لوازم بناء دولة المواطنة”، ودعا الحكومة الانتقالية لتبني هذا الموقف. أما الغريم الآخر، وهو الحركة الشعبية شمال جناح عقار، فهي تقر بأن العلمانية منهج استراتيجي تسعى له الحركة، ولكنها ترفض أن يتم رهن السلام بضرورة اعتماد العلمانية دستوراً يحكم البلاد قبل انتهاء الحرب، وترى أن العلمانية قضية مركزية يجب الفصل فيها عبر مؤتمر دستوري قومي يتيح الفرصة لمشاركة أوسع من كل أبناء وبنات الشعب السوداني. الحزب الشيوعي السوداني يتماهى كثيراً مع النظرة التي تدعو لفصل الدين عن مؤسسات الدولة ولكنه شحيح التصريحات حول هذا الموضوع، ويؤمن بأنها من القضايا الاستراتيجية التي يجب الفصل فيها عن طريق الآليات الديمقراطية المتمثلة في قيام مؤتمر دستوري قومي. أما الأحزاب الطائفية ذات المراجع الدينية، وأحزب الحركة الإسلامية السودانية ، جميعها يصطف ضد علمانية الدولة ويرى أن السودان دولة تتكون من أغلبية مسلمة، وينبغي أن يصبح الإسلام مهدداً أمنياً للتعايش السلمي أو المواطنة.
 عبدالناصر الحاج
صحيفة الجريدة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى