الوقود والخبز التجاري .. خطوة نحو رفع الدعم

الوقود والخبز التجاري .. خطوة نحو رفع الدعم

خلال الشهور الماضية، سعت الحكومة من خلال تصريحات وبالتحديد من وزير المالية للتمهيد لخطوة رفع الدعم، بالتأكيد أكثر من مرة على عزمها تحرير أسعار الوقود، وشملت موازنة 2020م إعلان وزير المالية صراحة على رفع الدعم عن الوقود، بالتدرج  على فترتين على أن يبدأ إنفاذ تحرير البنزين في مارس المقبل، ويتبعه تحرير أسعار الجازولين في أغسطس.     

وقبل الحديث عن وصف اعتماد الوقود والخبز التجاري هو تحرير كامل لأسعار السلعتين، تجدر الإشارة إلى أن موازنة 2020 التي قدمها وزير المالية، أعلن بوضوح أنها تتضمن إلغاء فكرة الدعم، وحددت  بجلاء كبير رفع دعم الوقود ودقيق الخبز،  وكان من المفترض أن يكون مطلع يناير المنصرم، بيد أن اعتراض قوى الحرية والتغيير على “الخطة الإصلاحية” أدى لإرجاء التطبيق لاحقاً، وبطبيعة الحال لم يتم إسقاط بند رفع الدعم، فما تم هو تأجيل التطبيق  إلى مارس وأغسطس للبنزين والجازولين على التوالي.

والثابت أن اعتزام الحكومة تحرير أسعار الوقود بات خياراً لا مفر من تطبيقه، رغم المخاوف التي تمثلها خاصة بالنسبة للشارع العام والمواطنين، وبالفعل وصل صدى المخاوف لقطاعات واسعة من المجتمع، فسارعت قوى الحرية والتغيير، لإثناء وزير المالية عن تطبيق الخطوة، ولما لم تجد مساعيها النجاح أعلنت رسمياً رفضها موازنة 2020م، قبل أن تتم اجتماعات لاحقة بمجلس الوزراء أفضت لتأجيل تطبيق الحزمة الإصلاحية” التي تحتوي على رفع الدعم لحين عقد المؤتمر الاقتصادي في مارس المقبل.

وتبلغ تكلفة الدعم الحكومي للوقود 36 مليون دولار أسبوعياً، ويرى اقتصاديون أن خطوة تطبيق الوقود التجاري جاءت للقضاء على السوق السوداء والتهريب والتلاعب في المواد البترولية، وما يمكن أن تسببه الندرة الحالية للبنزين من سعرين للوقود، وتماشى القرار مع سياسة الحكومة المعلنة بالاتجاه نحو إلغاء دعم الطاقة نهائياً وبيعه بسعر واحد في الأسواق.

أما في حالة الخبز، فيبدو الموقف أكثر تعقيداً، لارتباطه بشكل مباشر بمعاش الناس، وكشفت وزارة الصناعة والتجارة عن تخصيص الخبز التجاري للمطاعم والكافتريات والمرافق الخاصة، مع استثناء المدارس والمستشفيات وتزويدها بحصص يومية مدعومة، كما أن مخابز الأحياء السكنية، بحسب الوزارة، لن تتأثر وستعمل كالمعتاد بدقيق مدعوم، مع إلزام المخابز ببيع قطعة الخبز زنة 45 جراماً بواحد جنيه.

ويرى المحلل الاقتصادي، د. هيثم فتحي أن أي برنامج إصلاح اقتصادي سوداني أو مفروض من صندوق النقد الدولي يعمل علي إلغاء كافة أشكال الدعم المباشر للسلع بسبب عدم استفادة الفقراء منه واستبداله بالدعم النقدي المباشر.

وقال هيثم لـ “الصيحة”، إن الحكومة يمكنها اتباع آلية التسعير التلقائي على بعض المنتجات البترولية، وهي متبعة في العديد من دول العالم، وهي آليه تستهدف تعديل أسعار بيع بعض المنتجات البترولية في السوق المحلية ارتفاعًا وانخفاضًا كل ثلاثة أشهر، حيث يتم تحديد السعر حسب السعر العالمي لبيع المنتجات البترولية، وسعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، مشيراً إلى أن الآلية توفر قدراً من المرونة والقدرة على تمكين مؤسسات الدولة على تقديم أفضل خدمة للمواطنين، واعتبر ذلك ضرورة لتعزيز الإصلاحات الاقتصادية التى تتبناها الحكومة الانتقالية لتقليص فاتورة الدعم التي تثقل كاهل ميزانية الدولة.

ولفت إلى أن الفترة الماضية شهدت انخفاضات متتالية ومتسارعة في سعر صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، لذلك أثرت في قيمة الجنيه وارتفاع نسبة التضخم، مما جعل سعر المحروقات في السودان منخفضاً جداَ، وقال إن القرار جاء ليقضي على السوق السوداء والتهريب والتلاعب في المواد البترولية، وما يمكن أن تسببه الندرة الحالية للبنزين من سعرين للوقود، وتماشي القرار مع سياسة الحكومة المعلنة بالاتجاه نحو إلغاء دعم الطاقة نهائياً، وبيعها بسعر واحد في الأسواق.

قضية شائكة

ويقول الخبير الاقتصادي التجاني بدر في إفادات لـ (الصيحة): الأصل في الاقتصاد أنه بلا دعم، وتساءل:  لماذا تدعم الدول بعض السلع ومن ثم ترفع الدعم  عنها؟ مبيناً في حالة رفع الدعم يكون لزيادة الإنتاج والاستفادة من قيمة الدعم في تشجيع الإنتاج، وهي قضية شائكة تتطلب عدداً من المُعطيات تتعلق بمدى وفرة السلعة ومعدل الإنتاج والاستهلاك لكل سلعة مدعومة، ولكن المشكلة أن البلد غير منتجة.

وقال: بالنسبة للمواطنين، لابد أن يكون الدعم بعدالة سواء كان مباشرًا أو غير مباشر، فحينما تقدم الحكومات دعماً ينبغي عدم التمييز بين المواطنين والأجانب، فدعم الخبز يتوجه لجميع الناس في البلاد، مردفاً “على وزارة المالية حصر كل السلع التي تستحق فعلاً أن يكون لها الدعم وتحديد حجم الدعم”، ثم وضع سياسة حقيقية ومرنة لزيادة الإنتاج، ثم وزن مسألة الصادر والوارد ومعالجة عجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات والإنتاجية، وكل المؤشرات الاقتصادية بشكل كلي قبل تحديد ماذا تريد أن تفعل، فسياسات الإصلاح تحتاج لفترة قد تصل إلى عشر سنوات حتى تنجح بعد التطبيق الصحيح.

يمكن للحكومة اتباع آلية التسعير التلقائي على بعض المنتجات البترولية، وهي متبعة في العديد من دول العالم، وهي آلية تستهدف تعديل أسعار بيع بعض المنتجات البترولية في السوق المحلية ارتفاعًا وانخفاضًا كل ثلاثة أشهر، حيث يتم تحديد السعر حسب السعر العالمي لبيع المنتجات البترولية وسعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، لآلية توفر قدراً من المرونة والقدرة على تمكين مؤسسات الدولة على تقديم أفضل خدمة للمواطنين، وذلك ضرورة لتعزيز الإصلاحات الاقتصادية التي تتبناها الحكومة الانتقالية لتقليص فاتورة الدعم التي تثقل كاهل ميزانية الدولة.

مبادئ سليمة

وقال الخبير الاقتصادي د.  عادل عبد المنعم،  إن الحكومة ذهبت في الاتجاه  الصحيح عبر تقنين  عملية بيع الخبز والوقود التجاري، وهو مبدأ اقتصادي سليم،  كان الأولى أن يطبق منذ تسلم الحكومة الانتقالية واللجنة الاقتصادية مقاليد الأمور، مؤكدًا في حديثه أمس لـ(الصيحة)، أن نتائج تطبيق سياسات الوقود والخبز التجارية سوف تظهر نتائجها الإيجابية في المجتمع ولدى المواطنين وإحداث التوازن المنشود، وهناك مليارات الجنيهات سوف تدخل خزينة الدولة، وتحقيق إيرادات ضخمة عقب قيام الحكومة بتطبيق الحزمة الأولى المتعلقة بالإيرادات الضريبية والتي تمت متزامنة مع الموازنة العامة وطبقت على الأفراد والقطاع الزراعي، وقلل من أي آثار سالبة قد تنعكس على الاقتصاد حال الاستمرار في السياسات الإصلاحية الاقتصادية، مشيدًا بالخطوة لمساهمتها في إزالة التشوهات الاقتصادية على الجنيه السوداني.

وأكد أن سعر جالون الوقود يباع بواقع 28 جنيهاً مدعوماً إلى أصحاب السيارات والمركبات الخاصة والتاكسي وغيرها، وفي نفس الوقت هؤلاء يستغلون الوقود المدعوم لرفع قيمة مشاويرهم والتي لا تقل قيمتها عن 40 جنيهاً للفرد الواحد، وهي مفارقة كبيرة جداً، لافتاً إلى تراجع قيمة الجنيه السوداني مقابل العملات الأخرى، مشيراً إلى أن الحكومة تمتلك من السياسات المحلية ما يمكنها من إنقاذ الموقف بغض النظر عن القروض والمنح الخارجية.

دعوة للبدائل

داعياً الحكومة إلى تنفيذ حزمة الإصلاح بزيادة سعر الدولار الجمركي، وقلل من تأثيره على أسعار السلع، موضحاً أن الفاقد الجمركي يمكن من تغطية آثار زيادة الدولار الجمركي،  منادياً بالخطوة الثالثة بشأن ترشيد الاستيراد لتقليل الطلب على الدولار، ووقف تهريب الذهب.

وتتمثل الخطوة الرابعة في تحرير سعر الصرف عقب رفع الدعم جزئياً عن الوقود والخبز، مما يخلق موارد حقيقية للدولة وبالتالي زيادة القوة الشرائية للجنيه، وتراجع مستوى الأسعار ونزول الدولار في السوق الموازي إلى ما يقارب 60 جنيهاً حال إكمال منظومة السياسات والإصلاح الاقتصادي، فالنتائج المتوقعة إيجابية للحد البعيد.

مخادعة والتفاف

من ناحيته، قال الخبير الاقتصادي مستشار التمويل والاقتصاد عبد الله الرمادي، إن نهج سياسة الخبز والوقود التجاري في تقديره هي النتائج التي توصلت إليها  عبقرية الحكومة الجديدة ووزير المالية بصفة خاصة في الالتفاف حول المسألة وتطبيق روشتة صندوق النقد الدولي، والمعتمدة على ركيزتين، وهي رفع الدعم وتعويم الجنيه وحالياً يرفع الدعم ولكن بصورة  فيها تمويه.

ولخص الرمادي  في حديثه لـ(الصيحة) الموقف الحالي بأنه سوف تكون هناك مخابز فيما يتعلق ببيع الخبز التجاري بدقيق غير مدعوم، وتخصص مخابز في أماكن معينة.

وبشأن البنزين الإعلان عن طلمبات لبيع الوقود التجاري غير المدعوم، ووصف الخطوة بتمرير جرعة شائهة من صندوق النقد الدولي عبر (المواطن)، وقال: ما هو المانع من الانتقال عقب فترة طلمبات البنزين للبيع بالتجاري والمزيد من المخابز في ذات الاتجاه في الوقت نفسه يبتلع  المواطن الطعم تدريجياً.  واعتبر ما يجري حالياً صورة من صور المخادعة والالتفاف حول المسألة، وأطلق تحذيرين بأن ما حدث سوف يؤدي إلى إشعال نار التضخم  في الاقتصاد لأن السلعتين ضروريتان  وتمس المواطن بصورة مباشرة، والأسعار بصورة غير مباشرة، مما يرفع تكلفة المواصلات والترحيل من مناطق الإنتاج في مدن السودان المختلفة، وسوف تنعكس الآثار مباشرة على معاش الناس وارتفاع معدلات التضخم وأسعار السلع الضرورية، وزيادة المعاناة للمواطنين،  بينما لم تحدث أي زيادة  في  الرواتب لامتصاص الآثار المتوقعة، وينبغي أن ننبه إلى إصدار لجنة مكونة منذ عام تقريباً، ورفعت تقريرها بما يفيد بأن الحد الأدنى للعامل الذي لديه أسرة مكونة من 5 أشخاص ينبغي أن يكون مرتبه 8.600 جنيه والحد الأدنى حالياً 450 جنيهاً فقط، فلماذا لا يهتم  وزيرالمالية ويتحمس لزيادة الرواتب قبل زيادة الأعباء المعيشية، ولماذا الإصرار والالتفاف  للعودة بأسلوب مغاير لفرض روشتة صندوق النقد الدولي المدرة للاقتصاد والمشعلة لنار الأسعار، ولماذا لا يلتفت وزير المالية إلى وقف النزيف في تهريب الذهب والذي يحرم السودان عائد الصادر بـ8 مليار دولار سنوياً، ولماذا لا يتحمس وقف هذا الإهدار في صادرات الصمغ العربي والسمسم ومشتقات  النفط إلى دول العمق الأفريقي والتي باتت معلومة للجميع.

روشتة فاشلة

وقال الرمادي بدلًا عن إثقال كاهل الشعب السوداني بإجراءات مجربة سابقاً، وهي كانت قاصمة للظهر وأودت بالنظام البائد فإن الحكومة  حالياً  تكرر نفس المجرب الفاشل، لذلك  ليست هناك حاجة إلى هذه السياسات الخرقاء، وهناك بدائل متاحة في الاقتصاد السوداني يمكنها إنقاذ الشعب بدلاً من اللجوء إلى روشتة البنك والصندوق الدولي الفاشلة.

زيادة الضغوط المعيشية

ويشير مراقبون إلى أن الدعم في ظاهره يحمل بعض التخوفات من زيادة الضغوط المعيشية على المواطنين، منوهين إلى أن التحرير سيمكن الحكومة من توفير الموارد المخصصة للدعم وتوزيعها بعدالة على المستحقين سواء على شكل دعم نقدي مباشر، أو على شكل خدمات أخرى.

تقرير: رشا التوم ــ جمعة عبد الله

الخرطوم: (صحيفة الصيحة)

 

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب



اترك رد