د. غازي بعد الكشف عن محاولة تصفيته: اليسارون يكررون الآن نفس أخطاء الإنقاذ في التمكين

د. غازي بعد الكشف عن محاولة تصفيته: اليسارون يكررون الآن نفس أخطاء الإنقاذ في التمكين

عقب الكشف عن محاولة تصفيته التي رفع البعض بسببها حاجب الدهشة إلى أقصاه، تواصلت معه. قال لي د. غازي صلاح الدين العتباني رئيس حزب حركة الإصلاح الآن والقيادي الإسلامي البارز إنه لم يتفاجأ مثل كثير من المشاهدين بما قيل في حلقة الأسرار الكبرى بقناة العربية، فقد كان على علم مسبق بمحاولة محاربته واقصائه. وقتها، طرحت على د. غازي – الذي يتكئ على تجربة سياسية كبيرة ويحفظ له إرشيف صحافة الخرطوم آراء ناقدة وجهيرة قبل سقوط نظام الإنقاذ، وبعده- العديد من أسئلة الراهن السياسي خاصة تلك المتصلة بمستقبل الإسلاميين، فإلى مضابط الحوار:

 

*جاء في حلقة الأسرار الكبرى بقناة العربية أن هنالك محاولة ربما لتصفيتك على خلفية ما عرف بالمحاولة الانقلابية لقوش وود إبراهيم، فهل صدقّت أنك كنت مشروع شهيد مثل الـ (28) ضابطاً الذين تم إعدامهم، أم تفاجأت بما قيل ربما؟

ما قيل عن تصفيتي هو شهادة لي، وكنت أعرفه منذ زمن، فهو حديث ليس جديداً بالنسبة لي ولكن جديد على المشاهد. ولا أريد الحديث في هذا الموضوع لأن الناس المعنيين به الآن في السجون.. وأنا بالنسبة كما يقول موظفو الخدمة المدنية ويكتبون في آخر الملف عندما يطلعون على تقرير ولا يريدون التعليق عليه (عُلِم).

*إذن.. كيف تنظر للمشهد السياسي الآن الذي يرى البعض أنه انفتح على توترات قبلية وما يشبه الصراعات في الأطراف؟

أنا أنظر للمشهد وخلفي تجربة طويلة في العمل السياسي في السودان في مناطقه وقضاياه ومواجهاته المختلفة مع الإقليم ومع الخارج وقدرات شعبه وقدرات سياسييه والمؤسسات السياسية، وكل هذه الأشياء تحتشد في الصورة عندما يفكر الشخص في هذا الأمر..

*عفواً للمقاطعة لكن بالنظر لكل ما ذكرت، هل أنت متفائل بمآلات الأمور أم ربما متوجس من أنها لا تمضي في الاتجاه الصحيح؟

نحتاج أن نكون موضوعيين دائماً عندما نسأل هذا السؤال.. لأن الإجابة التي فيها قدر من المبالغة والانزعاج تؤثر في قرارات القادة والأشخاص المتنفذين، ولذلك من ضروري أن يضبط الإنسان تقديراته ضبطاً محكماً ويحاول أن يتصوّر بقدر الإمكان نوع المشكلة القائمة وحلولها. ونحن لدينا ثلاث مشكلات رئيسية.. مشكلة الأمن وهي مشكلة رئيسية ومتجددة وتعبر عن نفسها الآن في أكثر من منطقة في السودان بصورة غير مسبوقة، وهناك قضية الاقتصاد وواضح أنها القضية الأهم لكنها تراجعت للمرتبة الثانية، وهناك القضية السياسية العامة المخيمة على المشهد في البلد، وواضح أن هذه المسارات الثلاثة فيها مشاكل مقلقة وهذا يفرض على السياسي خيارات محددة في كيفية التعامل معها من خلال مؤسسات الدولة وأجهزتها القائمة لاجتياز هذه المرحلة.

*هل ترى أن الأوضاع الآن أكبر من أن تعالجها حكومة انتقالية حتى لو كانت بحاضنة عريضة مثل قوى الحرية والتغيير؟

(أفتكر كده) وأنا لا أريد أن أقدح في قدرات أي شخص، وكلنا تعلمنا السياسة من لا شيء. لكن لا يضرك في السياسة على المستوى الوطني أن تستعين بالآخرين، يعني كلما حصل اصطفاف وطني أكبر كلما أنت كنت في مأمن وستتحرك في إطار مشروعية أكبر وأقوى. وعندما تقوم الحروب فإن القوى الكبرى تحرص على أن يكون لها حلفاء أو في تحالف دولي مثلاً رغم أنها لا تحتاج لذلك من ناحية السلاح وكذا، لكن مظهر أنك تحقق إجماعاً وتمضي لمثل هذه القرارات وأنت في كنف الإجماع والتوافق القومي، فهذا أدعى لأن يكون لقرارك مشروعية وأكثر احتمالاً لأن تكون قراراتك سليمة لأنها تتعرض لاختبار المشروعية واختبار المصلحة والقدرة على حل المشكلة.

*برأيك دكتور.. ما هي الوصفة الصحيحة للخروج من عنق الزجاجة الحالي؟

نحن نقطة النهاية التي نريد نصل إليها – لو أستطعنا اليوم قبل الغد- هي أن نصل لنظام سياسي وطني جديد متفق عليه حتى تمضي البلاد وفق رؤية جامعة وليس وفق رؤية حزبية ضيقة لمجموعة محدودة تهمل باقي البلاد والعناصر المكونة للنظام السياسي له، وأقول هذا ممكن لأني خضت مفاوضات سابقة وأنا شخصياً وقعّت سبع مفاوضات مصيرية عبرت عن هذا التوافق، فهذا التوافق ممكن.

*لماذا يتعجل الإسلاميون ويريدون الانتقال لمربعات التوافق والانتقال دون أن يدفعوا ثمن ما اقترفوه خلال الثلاثين سنة الماضية؟

(ما الناس شغالين بيحاكموا قدامك على ما اقترفوه).. وأنا الآن أتحرك (ومافي زول ساكيني) وبالتالي أنا لا أتحرك بعقدة الملاحقة والمطاردة فهذه ليست أزمة بالنسبة لي. وأنا موقفي واضح جداً في المعارضة منذ عام 2013م.. وأنا أؤكد لك أن هذه العقدة لا توجد، فأنا أتصرف كمواطن سوداني عندي خبرة معينة وأريد أن أنفع بلدي ومجتمعي وما عندي خصومة نهائية مع جهة، حتى اليسار الذي كان الأضداد المباشرين له الآن نفتح أبوابنا ونقول فلنتحاور..

*على ذكر اليسار، كيف تنظر إلى رواج شعاراته وشعارات الحزب الشيوعي تحديداً الآن في الدولة المدنية وهتافات (حرية سلام وعدالة) فكأنهم نجحوا مجتمعياً بينما فشل الإسلاميون في المقابل؟

هنالك عدة أشياء، منها أولاً خطأ الإسلاميين وواضح جداً أنت الآن عندما تقرأ وتسمع ما نقلته العربية وجهات أخرى أنه كان هنالك خطأ كبير جداً نحن نبهنا له وخرجنا عمليا وربنا أكرمنا بهذا الموقف بمصداقية وهناك من لا زالوا حتى اليوم في ذات المنطق القديم ويعتقد أن عنده حقاً سماوياً في أن يتملَّك رؤوس الناس، وهذا موجود في أي ملة وأية طريقة سياسية. واليسار حقيقة كان منسياً ومتلاشياً والناس تركوه ونحن أحييناه وأُحيي لسبب ما، وأنا قلت لواحد من اليساريين لديَّ معه مداخلات لطيفة: (حقو تؤمنوا بالله بعد ده.. فقال لي ليه؟ فقلت له لأن ربنا شال السلطة من الأخوان المسلمين وأداها ليكم وهذا دليل على أن هنالك مدبر للكون.. فضحك).

*احتاج الشيوعيين لسنوات طويلة للعودة لصدارة المشهد السياسي منذ خروجهم الدامي في 1971م فكم من الزمن يحتاج الإسلاميون لالتقاط الأنفاس والعودة من جديد؟

والله أنا شايف اليساريين الآن يمضون في نفس خط الإنقاذ وبنفس الخطى في قضايا التمكين وقضايا يصعب الدفاع عنها أخلاقياً..

*تقصد على نفس خطى الإنقاذ.. أم خطاياها ربما؟

على نفس أخطائها في التمكين وفي تجريف الخدمة العامة لمصلحة التنظيم، وهناك أشياء الإسلاميون لم يكونوا يُقِرونها وكانوا يتحدثون عنها كثيراً..

*عفواً للمقاطعة.. لكن لماذا تصالحت مع تلك الأخطاء في التمكين وتجريف الخدمة المدنية وكنت وقتها قيادياً نافذاً في الإنقاذ لفترات طويلة جدا.. أم أنك اكتشفت ذلك فجأة؟

أنا تحدثت عن ذلك كثيراً، ولا أريد أن أحكى لك قصة الإنقاذ كلها لأني قلتها كثيراً ومللت منها، لكن دعنا نأخذ منها العبر.. فالخطأ خطأ والصواب صواب في كل المِلل والمعتقدات. وكل الناس يعرفون قيماً أساسية وجوهرية وقيمنا نحن كمسلمين مشتركة مع الآخرين فنحن ليس لدينا منظومة قيم مختلفة عن الآخرين (وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ).. وهذه الأخطاء الذين يمشون عليها يبدو أنها في الثقافة فمن يجد سلطة يكيفها لنفسه على أساس إنها للمصلحة العامة بينما هي تخدم أجندة خاصة ومحدودة وهذا خطأ كبير وقع فيه المثقفون.. وقعوا في براثن الطائفية والقبلية والجهوية وكل هذه الأدواء لم يعصمهم منها الامتثال لمشروع إسلامي، ولذلك الوقت لم يفت فليُحسن المرءُ العمل، وليستفدْ من هذه العبر.

سألنا عن الزمن المتوقع للعودة، لكن ماهو المطلوب برأيك لعودة الإسلاميين مجددا؟

لنكنْ منصفين، غير المؤتمر الوطني وهو حالة خاصة. لا يوجد شخص الآن منع الإسلاميين من أن يعملوا ولم يقفل أحد الباب أمامهم قانونياً أو نظرياً أو كذا، وبعضهم يعمل الآن وعندهم فرصة للعمل. وإذا أصاب العطب حركة بكاملها هذا ليس من مصلحة المجتمع فلابد من إصلاح هذا العطب حتى يكونوا أناسا عاديين ويكون هناك فهم مشترك لمنظومة القيم التي تحكم أداءنا السياسي وممارساتنا …الخ، وهذه كلها من شروط قيام نظام وطني ديمقراطي وهذا الذي يضمن الاستقرار.. وأصلاً الإنقاذ ما أخطأت إلا عندما ظنّ أصحابها وقادتها أنهم قد ركبوا على ظهر المرفعين أو الأسد ولم يعرفوا كيف ينزلون منه. فلماذا أنت ركبت ظهر الأسد حتى تقول أنك لا تستطيع أن تنزل منه؟.. فالخطأ خطأ، والصواب صواب…

*عذراً دكتور.. فهذه الجزئية بحاجة إلى توضيح أكثر، ما الذي رميت إليه بإشارتك للمرفعين وأي أسد تعني؟

هو أنك فرضت على نفسك وضعاً أو فكرة أو حالة ولم تفرضها عليك جهة أخرى.. فأخذت الحكم بالقوة، وهذا الحكم الذي أخذته بالقوة أصبحت مطالب بأن تحافظ عليه بالقوة واضطرك لفعل أشياء أخرى ومن هنا كان منطق التمكين والتأمين وكذا وكذا بمنطق أخلاقي منسّق جداً وعنده قادة مشهورون جداً طرحوه بهذه الصورة كما رأينا في الحلقات وهؤلاء كانوا يضللون في أمة بكاملها والله سيحاسبهم على ذلك. لكن نحن ننظر هنا بمنظار الدنيا، فأنا كإسلامي وحركة إسلامية ما كنت أتمنى أن أقف هذا الموقف في يوم ما. لكن على كل حال أنا لا أحب التاريخ كثيراً ومحاولة أن يُقْمع الإسلاميون أو يُداسوا بالأحذية هذا كلام مجرم وإسلاموفوبيا واضحة جداً ومرفوضة تماماً ولا يمكن أن تجازي مجتمعاً بكامله بأخطاء بعض أفراده، ولا يمكن أن تصدر حكماً نهائياً بأن هؤلاء القوم أو هذا الجنس أو هذه القبيلة ملعونة ومطرودة إلى الجحيم، لأن هذا الشخص سيأتي ويكرر نفس الأخطاء. والآن عندما تقول لواحد منهم إن الذي تفعلوه في الخدمة المدنية غير صحيح، يقول لك (ما ناس الإنقاذ كانوا يفعلون نفس الشيء، وكأنهم هم المرجعية)، وتقول له: إن الذي يأتي بعدك سيفعل نفس الشيء فهل أنت ستقبل به؟ فيقول لك: لن أقبل.. فلابد أن يكون هناك منطق مستقيم، فأنت رفضت ممارسات معينة كانت تحدث في الإنقاذ ثم جئت وفعلت نفس تلك الممارسات مما يعني أنك تمشي في نفس الطريق.. وأنا ما عندي مصلحة نمشي في نفس الطريق، عندي مصلحة في أن يتعافى المجتمع السياسي، يتعافى كله إسلاميُّوه ويساريُّوه ويتواضع على قيم انسانية محددة متفق عليها.

*على خلفية وصمة العار التي تلاحقهم الآن، كيف تنظر إلى مستقبل المشروع الإسلامي والإسلام السياسي؟

والله مافي أي مشكلة، فربنا سبحانه وتعالى عظيم وحكيم وهو مقدّر هذا الكون بسنن معينة.. وحتى اليوم مستوى تقبل المجتمع لوجود الإسلاميين الجسدي ووجودهم في مؤسسات معينة ليس بالصورة التي يصورها البعض، فأنا كشخص معروف حركة إسلامية ولا أجد اضطهاداً..

*إذن كيف ترى مستقبلهم؟

المستقبل يصنعونه لأنفسهم، وأعتقد أن الإسلاميين إذا أرادوا أن تبقى الشعلة بأفكارها فيمكن أن تبقى لكن هنالك مشاكل داخلية عميقة لابد أن تُحل، والحل يبدأ عندهم في الداخل والمجتمع أنا ما خائف منه وسيعطي الناس حقهم.

*هل هنالك محاولات لإنشاء تحالف معارض كما يوجد تحالف حاكم الآن؟ وهل من المصلحة أن تُنشئ المعارضة تحالفاتٍ في الوقت الحالي؟

جدا، والتحالفات جزء لا يتجزأ ومهم جداً من العمل السياسي، وفي الحقيقة نحن لا يمكن أن نجمّع المجتمع السياسي إلا من خلال تحالفات واتفاقيات، واندماجات. يعني هل المائة حزب هذه نحن محتاجون لها؟، فهي تعبير عن الفوضى والشغب السياسي، وأية تحالفات توحد الصف وتوحّد الرؤية وتقلل الاحتكاك هي مهمة ومفيدة.

*في ظل تنامي الدعوة للمدنية، كيف تنظر إلى دور القوات المسلحة في العملية السياسية؟

شوف أنا (مدنياووو) قلباً وقالباً – (نطقها كما كُتِبت)- ولكن مدنية محروسة بـ (عسكرياووو) – (نطقها كما كُتِبت أيضاً)- ولماذا الافتراض بأن المدنية والعسكرية متضادتان أو متحاربتان؟.. (كل زول يمسك شغلتو) لكن الدولة المدنية التي فوق الجميع هذه ليست فيها مساومة أصلاً. يعني أنت أعمل جيشاً قوياً ومحترماً جداً له مكانته في الإقليم واجعله حارساً لمجتمعك، ومجتمعك هذا لن يحمل كله السلاح فهناك من يطوّرون العلوم وهناك من يطورون أدوات معاش الناس، وما هي المشكلة في أن تكون هناك دولة قوية وقضاء نزيه وقوي؟ فلا يوجد تعارض. لكن لا توجد طريقة لدور رسمي للجيش في السلطة، وكل شخص يؤدي ما أُنتدِب له ودُرِب عليه.

حاوره: فتح الرحمن شبارقة

الخرطوم: (صحيفة السوداني)

 

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب



اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.