الصادق سمِل: لا أحُب أن أتحدث عن عبد الرحمن إلا كجزءٍ من الجيل الذي أنجز الثورة

الصادق سمِل: لا أحُب أن أتحدث عن عبد الرحمن إلا كجزءٍ من الجيل الذي أنجز الثورة

كان حين يأتي على ذكر ابنه “عبد الرحمن”، يطرق برأسه إلى الأرض، ويغدو صوتهُ هامساً كأنهُ يخشى أن يوقظ “عبد الرحمن” من سباته الأبدي الذي كان الطريق إليه محفوفًا بالدم والدموع والألم، ويُخفي بإطراقه دمعاً تسلل إلى عينيه، لا يتحدث عن عبد الرحمن كثيراً، حتى حين كان السؤال، حدثنا عن عبد الرحمن؟ فقال: إن كان من المُمكن أن تكون هذه إجابة فأنا لا أحُب أن أتحدث عن عبد الرحمن إلا كجزءٍ من الجيل الذي أنجز الثورة وقدم تضحياتٍ كاملة منهم من قدم روحه مهراً للحرية والانعتاق من الثلاثين عاما الماضية، ومن أُعتقل، وفقد أطرافهُ، وعُذب، عندما أشعر أني أُريد أن أخصص عبد الرحمن بالحديث لن أكون عادلاً مع جيله فهو جزء من أبناء السودان.
“السوداني” جلست إلى الصادق في الذكرى الأولى لثورة ديسمبر متحدثاً عن العدالة الانتقالية، وعن الثورة.

 

يقول الصادق سمل الذي يعمل في مجال الأبحاث، ووالد لـ4 أبناء، في حديثه لـ(السوداني): السؤال عن عبد الرحمن أصعب ما في الأمر، أنا لا أستطيع الحديث عن عبد الرحمن إلا في إطار أنهُ كان “ولد” من جيل من أعظم الأجيال التي مرت على السودان، الجيل الذي قدم التضحيات الحقيقية حتى يتحرر السودان.
وحول نشأته يقول إن ابنه من مواليد 16 يناير 1997، درس الابتدائي حتى الصف الثالث في المملكة العربية السعودية، ثم جبل أولياء، والثانوني بمدرسة الكلاكلة شرق، والتحق بكلية الآداب جامعة الخرطوم، قسم اللغات وكان متقنًا للغة الانجليزية واختار دراسة اللغة الألمانية، مشيرًا إنهُ ليس لديه انتماء سياسي ولم تكن السياسة جزءًا كبيرًا من حياته، وكانت اهتماماتهُ أكاديمية رياضية، وكل ممارسته السياسية مجرد نقاشات بينهما لكنهُ كان يتحدث دائمًا أن هذا النظام لا يُمثل جيله، وأن السودان ظُلم بممارسة سياسية خاطئة أدت لأن تكون هناك قطيعة وعزلة مع العالم.
اختفاء عبد الرحمن
بحذرٍ شديد يحاول الصادق الإجابة على كلُ سؤالٍ يعرج فيه للحديث عن عبد الرحمن، قبل أن يضع نقطةً في نهاية السطر بأنهُ سيكتفي بما ذكرهُ في الحديث عن ابنه، ويسرد باقتضاب شديد تفاصيل العثور على جثمانه قائلًا: استشهد عبد الرحمن في بداية الحراك خرج في الـ25 من ديسمبر 2018م واختفى، كانت هذه المرة الأولى التي يخرج فيها للعلن ويختفي بسبب الأحداث السياسية.
وأضاف: لم تكن السياسة جزء من حياته إلا في محاولة أن يفهم ويحلل وضعهُ كشاب في المجتمع السوداني حتى في نقاشاتنا السياسية كان يحاول أن يشير إلى إحباطه وإحباط جيله من السياسة.
ويقول: لم يخرج عبد الرحمن في احتجاجات سابقة، ولم نكن نعلم بخروجه في ذلك اليوم، كان يوم عمل عادي خرجت صباحًا وفي نهاية اليوم لم يُعد عبد الرحمن للمنزل، ولم يخطر على بالنا أنهُ خرج مشاركًا في الاحتجاجات وآخر حديث دار بيننا كان يتحدث حديثا عاما، مفادهُ أننا الجيل الذي وضع السودان في نقطة صعبة سياسيًا، وكان مجمل رأيه في السياسة محاكمة للأجيال قبله، وكيف سمحتم لهذا الوضع أن يصل لهذا الحد؟ ولماذا التزمتم الصمت؟.
اختفى عبد الرحمن من الـ25 حتى الـ27 من ديسمبر، وفي رحلة أُسرته في البحث عنهُ وجدت جثمانهُ بمشرحة الأكاديمية.
الملف العدلي
حين عثر الصادق على جثمان ابنه قال: لن أشرع في رفع أيّ نوع من القضايا القانونية في بلادٍ لا أضمن فيها أدنى فرصة لنيل حقوقي، وحول ما إذا كان استرداد الحقوق متاحاً الآن وهل سيتجه للقضاء يقول الصادق: حتى الآن أؤمن أن النظام العدلي في ملف الشهداء لا يسير في خط سليم، هناك خلل في المفهوم مستمر حتى الآن وفي كيفية النظر للعدالة نفسها في السودان، لا يوجد حتى الآن مفهوم لمسألة العدالة، أعرف أُسراً غير قادرة من خلال العدالة الرسمية “المحاكم النيابات” من معرفة حقيقة موت أبنائهم.
وأضاف: مر عام على ذكرى سقوط أول شهيد ولم تكتمل حتى الآن أيّ محاكمة لحالة واحدة من حالات الفقدان، ولم يقدم للقضاء أكثر من 3 أو 4 حالات من ضمنها حالة الشهيد أحمد الخير، نفهم أنهُ يمكن أن يكون هناك بطء ناتج من الرغبة في إصلاح النظام العدلي السوداني.
ويقول: لستُ مقتنعًا بأن خط المحاكم الرسمية، النموذج الأمثل لتناول الموت الذي تم في السودان، هناك خلل في غياب الإرادة السياسية فيما يختص بمسألة العدالة، لا توجد إرادة قوية من السياسين لتكون هناك عدالة، عازيًا ذلك لضعف الارادة السياسية الذي كان عائقًا أمام حدوث أيّ تقدم في ملف الشهداء.
أوجاع أُخرى
في الوقت الذي يبدو فيه الصادق متساميًا فوق أحزانه مستعدًا للعفو عن القاتل، يقول: أنا لا أريد الانكفاء على ابني فقط، جاءت نظرتي للعدالة من “وجعي” في فقدان ابني، الذي نقلني للتفكير في أوجاع أخرى في الوطن والموت الذي حدث في الحروب الأهلية في دارفور، جنوب كردفان، النيل الأزرق وحروب الجنوب، فالسودان كان مسرحًا لقتل ممنهج، مشيرًا إلى أن موت ابنه جعلهُ يرى أشكالا أُخرى من الموت الذي تم في السودان، مُعتبرًا أنهُ لا يُمكن حلها بنموذج عدلي رسمي ممثل في نيابات ومحاكم ويُمكن أن تتحقق في إطار مفهوم العدالة الانتقالية.
وأضاف: السودان كأيّ دولة إفريقية يستطيع أن يوجِد لنفسه نموذجا للعدالة الانتقالية، والنموذج الأمثل أن يتم إنصاف ضحايا الصراع السياسي بأن تكون وسيلتهُ العدالة الانتقالية التي تستطيع أن تعالج كل قضايا القتل التي تمت في السودان، مشيرًا إلى أن المصالحة بمنهجية العدالة الانتقالية تلزم القتلة ومن أصدروا أوامر القتل، ورموز النظام السابق بما فيهم المؤتمر الوطني أن يقرّوا ويعترفوا بأخطائهم التاريخية وإظهار الحقائق وما تم من قتل في السودان وإبداء الندم، حتى يتمكن المجتمع من الدخول في منهجية الحقيقة والمصالحة.
وقال: المصالحة لا تُلزم أيّ أحد من أسر الضحايا بقبول العفو، من حقهم الخيار بين القصاص أو العفو.
حقائق الموت
الصادق يرى أن هذا النموذج يجعلنا ندرك حقائق الموت الذي وقع في السودان، ضحايا التعذيب في السجون، الحروب أو الأحداث الفردية مُعتبرًا أنها مسؤولية أخلاقية كبيرة إذا قام بها المجتمع يمكن أن تكون هناك خطوة للأمام.
وحول تحقيق القصاص لابنه يقول: يكفيني بأن يُظهر لي قتلتهُ حقيقة موته، ويعترفوا بذلك وكيف تم ولماذا؟ ويطلبوا منا الصفح ويبدوا الندم ويعدونا بعدم تكرار ذلك على أيّ فرد آخر، هذا طلبي من القتلة.
وأضاف: أطلب من المجتمع ممثلاً في من هم على رأس الحكم بأن يكون هناك مزار لعبد الرحمن كأحد من كان موتهم نتاجا لتعذيب، أكتفي بأن يكون هناك مزار يزوره الناس يحكي عن ابني كأحد الضحايا الذين طالبوا بالحرية والسلام والعدالة، تم تعذيبهُ وقتله، ليأتي أطفال السودان ليزوروا المكان ويعرفوا ماذا كانت أهداف ومطالب عبد الرحمن؟ وكيف تم قتله؟.
وقال: هذا كافٍ لأن يعوضني حق ابني، أن تعلم الأجيال القادمة طريقة موته حتى نمنع تكرارها.
وحول ما إذا كان ذلك اختزال لحق الشهداء ينفي الصادق ذلك بقوله: لا أُسميه اختزالا بل محاولة لقطع تسلسل الدم في تاريخ السياسية السودانية، فالذاكرة السودانية في 64 لا تتذكر شهيدا خلاف القرشي، والانسان السوداني لا يعرف عدد الشهداء في ثورتي أكتوبر، وأبريل.
وأضاف: التاريخ لم يسجل ذلك لأننا لا نجحنا في إقامة نموذج للعدالة واعادة حقوق الشهداء ولا خلدنا أسماءهم في مزارات ومعارض حتى يكونوا في ذاكراة الشعب، منوهًا إلى أن نموذج العدالة الانتقالية يُتيح ذلك، وتتيح المصالحة توقف الدماء في السودان.
ملف الشهداء
وحول تعامل الجهات الرسمية مع ملف الشهداء يقول الصادق: هناك سمة غالبة وهي البطء في الاجراءات والتعامل مع هذا الملف، هناك بطء غريب جدًا، الجهات المسؤولة تقول إنها تسعى لإصلاح النظام العدلي لكن كان من الممكن أن تشكل نيابات ومحاكم خاصة باعتبار أن ما تم من قتل قضية عاجلة، واصفًا تناول النيابة لقضايا الملف بالممتازة.
وأضاف: هناك بطء وضعف في الارادة السياسية لهذا الملف، وأعني بالارادة السياسية تحديدًا حكومة قوى الحُرية والتغيير، وأعزيه لطبيعة الشراكة بينهم وبين العسكر، منوهًا إلى أنهُ كان من الممكن أن تكون هناك عدة حلول أن تخاطب حكومة قوى الحُرية والتغيير ممثلة في رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بوضوح وشفافية أسر الشهداء، مثلًا إما أن يقول حمدوك لأسر الضحايا يجب أن تؤمنوا أن أولادكم مهر للُحرية ونحن دخلنا في شراكة نتجاوز هذه المرحلة واعتبروهم قُربانًا للتغيير، ثانيًا أن يسعى لإصلاح النظام العدلي، أو يحاول أن ينشيء محاكم ونيابات خاصة، ثالثًا أن يقبل بالمبادرات التي قُدمت لهُ فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية ويقول إن هذا الخيار هو الذي سنسير عليه “الحقيقة والمصالحة”، نلتزم بأحد هذه الخيارات أو نأخذها معاً.
حالة احتقان
ويقول الصادق إن عدم التعامل مع هذا الملف بهذا الشكل سيُحدث احتقانا سياسيا في البلد مع تصاعد الرغبة عند أسر الشهداء بضرورة القصاص لجهة أن الثوار ولجان المقاومة يرون أن حق عودة دماء إخوانهم الذين استشهدوا مطلب أساسي لن يتنازلوا عنه.
وأضاف: الازمة وقتها لن تكون مسؤولة عنها لجان المقاومة أو الثوار، سيكون المسؤول عنها عدم وضوح حكومة قوى الحرية والتغيير في كيفية التعامل مع الدماء، مطالبًا بضرورة وجود شفافية، وأن الردود على مذكرات أُسر الشهداء التي قُدمت للحكومة وعبروا فيها عن عدم رضائهم لمسار قضاياهم ليس بالصمت بل بطرح مقابل أو عقد جلسات مشتركة للوصول لحل فيما قدمتهُ أُسر الشهداء من مطالب.
وقال: هناك مبادرات قدمت للحكومة فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية من بعض الجهات المحترمة التي تحاول أن تسهم في مجال العدالة الانتقالية.
جمعهم الألم
رؤية الصادق سمل لتحقيق القصاص تبدو مختلفة عن رؤية آخرين. وحول ما إذا كانت محل خلاف مع أسر الشهداء يشير الصادق إلى أن ما يجمعهم الوجع والألم وهم على مستوى عال من التفهم ومنهم من يقول إنهُم لا يُهمهم من قتل أبناءهم بقدر ما يُهمهم معرفة من أمر بقتل أبنائهم، مشيرًا إلى أن هذا يُمكن أن يشكل أساسا لقوى الحرية والتغيير لتسعى لمحاكمة رموز النظام الذين كانوا يصدرون اوامر القتل.
وأضاف: هناك قواسم مشتركة بيننا ويتفهمون أن رسالتي تمضي في اتجاه أن يتوقف القتل في السودان، لدي أمل كبير مبني على هذا الجيل الذي يمتلك رؤية مغايرة للممارسة السياسية، جيل يرفض كل الركام السياسي المُخزي في السنوات الماضية، جيل يحتفي جدًا بالممارسة السياسية الديمقراطية الانسانية، مشيرًا إلى أنهُ مطمئن لمستقبل السودان الذي سيخرج من وسط الشباب الذين صنعوا الثورة رؤى سياسية مغايرة ومختلفة ولن يكرروا تجارب من سبقوهم.
الأحزاب السياسية
وحول دور الأحزاب السياسية يقول الصادق إنهُ كان لها دورها في التحرر الوطني والاستقلال، مشيرًا إلى أنهُ دور لابد أن يحترم، إلا أنهُ كانت لهم أخطاء في الممارسة السياسية، وكانوا بعيدين جدًا من الاتفاق على ثوابت خاصة بالوطن وكرروا ذات الأخطاء بعد كل الثورات التي تأتي بتضحيات كبيرة.
وأضاف: وكانت لهم اخطاؤهم في عدم السعي لأن تكون هناك مصالحة وطنية، الأحزاب كانت أقصر قامة في رؤاها السياسية من طبيعة المشاكل المتجددة في المجتمع وتمسكوا بخط سياسي يعبر عن حلول لاشكالات سياسية قديمة ولم يستوعبوا تغير الجيل، عازيًا تكرار الأخطاء لعدم الفهم العميق لمشاكل السودان وطبيعة الاجيال الحديثة المتقبل جدًا للتنوع، في الثقافة والدين ونظام حكم يُعبر عن هذا التنوع، لافتًا إلى أن كل الاحزاب القديمة تريد الذهاب بالسودان بنظرة أحادية وتكرار الانقلابات العسكرية، فمن يحاول أن يُطبق نموذجه عبر الديمقراطية، عندما لا يجد التأييد يلجأ للجيش كمؤسسة للسيطرة.
ثورة أخلاقية
وحول ثورة ديسمبر يصفها الصادق بأنها ثورة أخلاقية كبرى بقيادة جيل السودان الحديث، مُشيرًا إلى أن أبناء السودان قادوا أكبر ثورة تاريخية أخلاقية وضعت السودان في لحظة تاريخية، مشيرًا إلى أنهُ يعني باللحظة التاريخية فرصة التصالح مع الركام السياسي التاريخي المخزي.
وأضاف: أرجو وأتمنى أن لا يُفسدها الساسة، كما أفسدوا الثورات السابقة، مشيرًا إلى أن عدم افسادها يتمثل في الوصول بهذا الشعب لممارسة سياسية تتمثل في الشعارات التي خرجوا من أجلها، واحترام الاختلاف وتعدد الثقافات والأديان وطبيعة المجتمع السوداني.
ويرى الصادق أن ما تحقق كبير، ويقول: على الأقل انتصرنا على عدو شرس مارس كل أنواع القتل والوحشية وتقييد الحريات وقمع ثقافة وانسان الشعب السوداني، وأرجو أن نتخلص من عدو آخر وهو تكرار تجارب الفشل ما بعد انتصار الثورات.

حوار: إيمان كمال الدين

الخرطوم: (صحيفة السوداني)

 

اضغط هنا للانضمام لقروبات كوش نيوز على واتساب



اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.