وكيل وزارة الصحة الأسبق د. كمال: “البشير” تفاجأ وقال لي: “أنت الجابك هنا شنو”

وكيل وزارة الصحة الأسبق د. كمال: “البشير” تفاجأ وقال لي: “أنت الجابك هنا شنو”


قضى نحو ثمانية أشهر بسجن كوبر ضمن معتقلي رموز النظام السابق، قبل أن يطلق سراحه مساء الأربعاء. السوداني استنطقت وكيل وزارة الصحة الأسبق كمال عبد القادر، فأدلى بالكثير والمثير حول أسباب اعتقاله، كاشفاً عن الجهة التي وضعت اسمه عمداً ضمن قائمة المطلوب اعتقالهم، وماذا دار بينه والبشير في أول لقاء، ولماذا كان يلقب بـ” بتاع الأتوبيس” داخل المعتقل، ولماذا لم يودع المعتقلين عند خروجه بعد قرار الإفراج عنه.

 

بداية، ما سبب اعتقالك؟
قضيت 80 يوماً ولا أعرف سبب الاعتقال، ولكن تدريجياً تكشفت لي بعض الأسباب التي إلى الآن غير مقتنع بها، لكن أعتقد أنه بلاغ كيدي.
هل تقصد أنه تم استهدافك بصورة خاصة؟
شخص وضع اسمي في قائمة المطلوب اعتقالهم، وهو يعلم تمام العلم أني لم أنتمِ للمؤتمر الوطني ولا صلة لي به.
لكنك عملت في مناصب عامة بحكومة البشير؟
عملت مع الإنقاذ عندما عادت إلى رشدها وبدأت تستوعب التكنوقراط، فعدت للوزارة أنا ود. تابيتا.
هل يعرف د. كمال خصيمه، الفرد أو الجهة التي وضعت اسمك في قائمة المطلوب اعتقالهم؟

غير مهتم بهذا الأمر، أنا أعرف نفسي جيداً وكل هذه الشهور التي قضيتها معتقلا لم تتم إدانتي بأي جرم أو اتهام، ولو كان حبسي في سجن كوبر قد شفى غليله فليكن ذلك كفارة له.
طالما أنك ظُلمتَ وشُوِّهتْ صورتك هل ستتجه للقانون لمقاضاة من تسبب في ذلك؟
” إذا أراد الله نشر فضيلة طويت.. أتاح لها لسان حسود”، فهذا الحسود الذي زج باسمي في قائمة رموز النظام أتاح لي أن يراجعوا عملي وتاريخي كله، دون أن يجدوا فيه ما يشين.
هل لعملك السابق بوزارة الصحة صلة باعتقالك؟
عملت وكيلا لوزارة الصحة من العام 2008م للعام 2010م، لكن تبين لي أن لا صلة بين اعتقالي وعملي السابق بوزارة الصحة.
وفي ماذا تم التحقيق معك؟
عندما كنت أذهب للنيابة للتحقيق كان وكلاء النيابة يستغربون في ماذا يحققون معي، لكن أعتقد ان الأمر كان يتعلق بفحص الذمة المالية والحمد لله ” لا شق لا طق”، وبرأيي أن فحص الذمة المالية لأي شخص عمل في منصب حكومي في فترة الإنقاذ يجب أن يحرص على إبراء ساحته، وحتى إذا لم يطلب منه فحص ذمة، على الجميع أن يتقدم للنيابات لفحص ذممهم المالية، وإذا كان الإنسان واثقاً من نفسه فليذهب إلى النيابة ويطلب فحص ذمته المالية ويقدم إقرار ذمة وهذا من شأنه أن يزيل اللبس والشكوك حول أي شخص، لأنه في فترة الإنقاذ “أولاد الحرام ما خلو لي أولاد الحلال حاجة”.
وبما أن هنالك اشتباها بالفساد في كل من عمل بفترة حكومة الإنقاذ يجب على كل من يثق في براءة ذمته ان يقدم إقرارا  للنيابة للتأكد.
كيف كان سير التحقيقات؟
النيابة قضت أكثر من شهرين دون أن تجد ما يدعو لتقديمي لمحاكمة، سألوني من كل شيء منذ أن ولدت وإلى يوم أمس، أعتقد أن القضاء تعامل بمهنية وعدالة مع قضيتي وأظهر الحق.
ماذا عن مدينة البشير الطبية التي كنت مديرها؟
الاشتباه كان سببه اسمها، فكانت هنالك شكوك في أنها مملوكة للرئيس المعزول أو له فيها أسهم، ولكن ذلك غير صحيح فهي شركة حكومية أكثر من 90% منها مال عام ممثلة في وزارة المالية والجهاز الاستثماري للضمان الاجتماعي وولاية الخرطوم والجزيرة، وهذا عمل ينبغي ان يستمر بآخرين غيري لأني ليست لدي رغبة إطلاقاً في العمل العام خاصة بعد الظلم الذي تعرضت له.
تستمر بذات الاسم؟
مؤكد لا، فاسمها تغير بأمر الثوار عندما مزقوا اللافتة وأنزلوها، أعتقد أن الثوار وحكومة الثورة لها بالجوهر إذا وجدوا أن هذا الأمر قائم على أساس متين وبصورة علمية مؤسسية يكملوا عليه أو يدخلوا التعديلات المناسبة.
هل كنت مؤيداً للثورة والحراك؟
أنا شخص مهني ليس لي في السياسة.
بصفتك الشخصية؟
أعتقد أنه حتى الذين جاءوا بالإنقاذ من أولها في نهاياتها أصبحوا يتمنون سقوطها، ورأوا أنها انحرفت ووصلت إلى طرق مسدودة، وأنا أيضاً كان رأيي أنها استنفدت كل محاولات الحلول وانتهت بالتقادم وكان يجب أن تذهب.
كيف وجدت الوضع في سجن كوبر؟
المعاملة كانت جيدة جدا، ليست هنالك أي مضايقات، لكن نحن مثل العصافير إذا حبست عصفور في قفص فكل ما تقدمه له من مطايب الأكل يصبح إثباتا للعبودية، فمهما كانت المعاملة إنسانية إذا اجتمع الغبن مع الحبس يصبح الوضع لا يطاق فنحن لسنا حيوانات تعلف وإنما أرواح تحلق.
كيف كانت الأوضاع بسجن كوبر؟
الأحوال عادية داخل سجن كوبر، كان وضعنا كل أربعة أشخاص معا بعنبر، وهنالك غرف فردية منفصلة.
من كان برفقتك في العنبر؟
أمتنع عن الإجابة.
 هل كنت تقابل المعتقلين من رموز النظام السابق؟
نعم نلتقي في وقت الرياضة ساعة من المغرب للعشاء كل يوم، وفي صلاة الجمعة إلى وقت الغداء.
 البعض يعتبر أن حبسهم بلا محاكمات، فيه شيء من الظلم، هل لمست ذلك في وجودك بينهم؟

لا أستطيع أن أفتي في هذا الأمر، مظلومين أو غيره هذا شأن القضاء وأنا أثق في عدل ونزاهة القضاء السوداني.
 هل قابلت البشير؟
نعم، قابلت كل المعتقلين.
 ماذا دار بينك والبشير؟
البشير عندما رآني لأول مرة تفاجأ وقال لي: ” إنت الجابك هنا شنو؟”.
 البشير تعجب من وجودك بينهم؟
ليس وحده كل المجموعة كان لديهم اعتقاد أن هنالك خلطاً بيني وكمال آخر وبمرور الوقت اتضح أني أنا المقصود وليس غيري.
كأنهم تفاجأوا باعتقالك؟
نعم هو كذلك، أحمد هارون كان عندما يُسأل عن المعتقلين يقول 22 وكمال، وأطلقوا علي لقب “بتاع الأتوبيس” في إشارة إلى الفيلم العربي الشهير الذي أُعتقل فيه مجموعة من السياسيين مع آخرين جرى اعتقالهم بسبب مشكلة في “أتوبيس” فاجتمعوا معاً فكان يحدث خلط أثناء التحقيق فيقول لهم عادل إمام “إحنا بتوع الأتوبيس” يقصد أنه ليس تبع السياسيين لكي لا يعذب مثلهم.
ما العبرة التي خرجت بها من تجربة اعتقالك؟
أعتقد أن أي إنسان يمكن أن يقع عليه ظلم في أي وقت، العبرة في أنك أولاً تصمد في مواقفك، لا أدعو للرغبة في الانتقام بمن فعلوا بي ذلك، أنا لست مسيحياً يدير خده الأيسر لمن صفعه بالأيمن، ولست مانديلا يسجن 27 عاماً فيخرج ليصافح جلاديه، ولست يوسف يبقى في السجن سبع سنوات والمجرمون في القصر، ولست غاندي الذي يقول إن قمة اللاعنف هو أن تحب من يكرهك، لكن أنا إنسان بشر أستطيع أن أتحكم في مشاعري، حاولت جهدي في العمل العام بالنظام السابق، لكن أعتقد أن هذه نهاية صلتي بأي عمل عام.
 هل أنت نادم على عملك بفترة الإنقاذ؟
رغم أن أسرتي لم تكن ترغب في دخولي للعمل العام إلا أني لا أعتقد أني أخطأت، ولست نادما على ما قدمت، التاريخ سوف يحدد إذا كنا قد قدمنا لهذا الشعب أو لا، فهذا الشعب له حق علينا فقد علمنا وأدبنا وأحسن تأديبنا، وحدث أن طلبت من ابني الذي يعمل طبيبا في إنجلترا أن يتخصص في مجال نادر ليعمل بالسودان ويفيد بلده، فقال إنه لا يحس بأن الوطن قد قدم له أي شيء، فقلت له إن الوطن قد استثمر في شخصي بتعليمي والمال الذي أدفعه لتعليمك هو نتيجة ذاك الاستثمار وأقنعته بذلك.
وماذا كان رأيه بعد اعتقالك؟
تحدث معي في فترة اعتقالي وقال لي هل ما زلت تود أن اعود لأخدم بلدي، فقلت له إني أتشكك لأنه لم تعد هنالك ثوابت.
إذاً تغير رأيك؟
في قمة الظلم لا يمكن أن تشجع شخصا بالحديث وهو يرى بعينه ما يجري معي فمن الصعوبة بمكان إقناعه بغيره ما يراه.
هل ودعت رموز الإنقاذ قبل مغادرة السجن؟
أجاب ضاحكاً “ما ودعتهم لأنو خفت يغيروا رأيهم”.

حوار: تسنيم عبد السيد

الخرطوم: (صحيفة السوداني)

اترك رد