قضايا التصفيات في الجامعات.. هل يتواصل فتح الملفات؟

قضايا التصفيات في الجامعات.. هل يتواصل فتح الملفات؟


تداولت التقارير الإعلامية توجيه النائب العام نيابة الخرطوم شمال بالعمل على تحريك بلاغ اغتيال الطالب محمد عبد السلام بإحدى الجامعات بالخرطوم العام 1998م في أعقاب مذكرة للنائب العام تقدمت بها أسرة الطالب تطالب بتحريك بلاغ اغتياله بالرقم 1998/1943 تحت المادة 130 من القانون الجنائي.

 

قصة محمد عبد السلام

تبرز حادثة مقتل محمد عبد السلام من الفرقة الثالثة قانون، عقب مشكلته مع صندوق رعاية الطلاب ومواقفه في قضايا السكن والإعاشة، حيث وُجِدَ ميتاً في أغسطس 1998م، ويُشاع أن على جثته آثار تعذيب. وقيدت الحادثة ضد مجهول.
أحداث العنف التي أفضت إلى الموت في سياق احتكاك بالسلطات أو رصاصات مجهولة المصدر تعددت وآزرها ما حدث في جامعة سنار يونيو 2000 بمقتل طالب مؤتمر الطلاب المستقلين ميرغني محمود النعمان وتم تقييد الحادثة ضد مجهول.
كذلك مقتل محمد موسى عبد الله كنة الطالب بالفرقة الثالثة تربية حيث وجدت جثته في أم درمان فبراير 2010م.
وفي مارس 2014 اغتيل طالب الاقتصاد بجامعة الخرطوم علي أبكر برصاص مجهول، ولم تُسفر التحقيقات عن التوصل للجاني في تلك الحادثة أيضاً.

 

الفاعل مجهول

سيد عبد الرحمن كنة.. أول حالة قتل في الجامعات

ظواهر العنف الطلابي المفضية لحادثة قتل لم تكن حكراً على حقبة الإنقاذيين وإن تزايدت في عهدهم، وشاركتها حقب ما بعد الاستقلال في ذات الختام الدموي الذي ينتهي بمقتل طالب. وبحسب مؤلف كتاب (التاريخ السياسي لجامعة الخرطوم من 1969 – 1989) د.حاتم عبد الفاضل، فإن حوادث العنف الطلابي المفضية إلى قتل أو التي أفضت لمقتل طالب جاءت في 1968م بمقتل طالب من أبناء الكاملين (سيد عبد الرحمن كنة) الذي لم يكن منتسباً لأي تنظيم سياسي (مستقل) وفي الوقت الذي لم يوجه فيه أي اتهام قانوني مباشر لمتهم وتم تقييد الحادثة ضد مجهول إلا أن الاتهام السياسي ظل موجهاً للشيوعيين دون وجود ما يدعم ذلك الاتهام. د.حاتم اعتبر في حديثه لـ(السوداني) أمس، أن حوادث العنف المفضية إلى مقتل الطلاب لم تكن وقفاً على الاحتكاكات بين الطلاب المنظمين فيما بينهم بحكم الانتساب لتنظيمات متنافسة، بل ربما تحدث بفعل الاحتكاك بالسلطات ودون تعمد، ضارباً مثلاً لذلك بحادثة مقتل شهيد أكتوبر طه القرشي 1964م.

 

العجكو.. الرقصة القاتلة

رغم أنها إحدى أدبيات التراث الكردفاني الثر، إلا أن مجيئها في سياق دموي بدأ أمراً مثيراً للدهشة للوهلة الأولى، بيد أن أحد أبرز عتاة الإسلاميين من الشاهدين على حقبة الستينيات – مفضلاً حجب اسمه – في حديثه لـ(السوداني) يؤكد أن الطلاب الإسلاميين بجامعة الخرطوم اتخذوا قراراً برفض أداء أو قيام رقصة العجكو لجهة أنها وفقاً لعرفهم مؤذية ووقتها كانوا بقيادة عبد الرحيم علي؛ فيما كان الطرف الآخر أي الجبهة الديمقراطية بقيادة عبد الباسط سبدرات، والتي أصرّت على أحقية الجميع في التعبير عن ثقافتهم معلنة استعدادها للدفاع عن المنشط والسياق الذي سترد فيه الرقصة؛ لتحدث الاحتكاكات ويُقتل فيها أحد طلاب الإسلاميين وتم اتهام طالب يُدعى إدريس الطاهر النيل الذي تم اتخاذ الإجراءات القانونية في مواجهته قبل أن تعلن المحكمة براءته.

 

هروب بعد المحاكمة.. الغالي وحوادث الثمانينيات

حقبة الثمانينيات كانت مترعة بروائح الموت الممهور بتوقيع (فعل فاعل) والملازم للاتهامات السياسية دون أدلة قانونية تدين الجاني أياً كان انتسابه أو توجهه السياسي. وبحسب توثيق د.حاتم فإن الغالي عبد الحكم راح ضحية صراع جرى بين التنظيمات السياسية بجامعة الخرطوم حول الدستور عام 1983م، وتم اتهام أحد كوادر الحزب الشيوعي، إلا أن المتهم ظل متهماً وفقاً للروايات السياسية ومع ذلك غادر السودان، في الوقت الذي قُيِّدَتْ فيه القضية ضد مجهول على المستوى القانوني.

 

رواية أخرى أخرجها إلى السطح القيادي الإسلامي المعاصر لتلك الحقبة تختلف عن توثيق د.حاتم بدءاً بتاريخ الحادثة. وينقل المصدر الإسلامي لـ(السوداني) أن الغالي كان من كوادر الإسلاميين المعروفة بجامعة الخرطوم وينتمي لمنطقة الدرادر بالنيل الأبيض.. وأن تلك الفترة شهدت فيها الجامعة احتقانات سياسية وأن الجبهة الديمقراطية – الرافد الطلابي للحزب الشيوعي – أصدرت توجيهات لعضويتها بضرورة حمل (سكين) للدفاع عن النفس في مواجهة تحرشات الإسلاميين.

وطبقاً للرجل، فإنه وبناءً على توجيهات التنظيم اضطر أحد كوادر الجبهة الديمقراطية ويدعى عبد السلام إلى حمل (مطواة) صغيرة، إذ إن الفتى معروف عنه أنه مسالم ولا يميل إلى العنف. وقطع المصدر الإسلامي بأن الاحتكاكات وقعت بالفعل بين الطرفين وتمت إصابة العديدين وتم نقلهم إلى المستشفى، وعلى خلفية ذلك قامت عضوية التنظيمين بزيارة جرحاهم في مستشفى الخرطوم، ونتيجة لوجود الطرفين في المستشفى تجددت الاحتكاكات، وأضاف: “الغالي لم يكن مشاركاً في أحداث الجامعة، إلا أنه في المستشفى وجد نفسه بالقرب من عبد السلام، فأخذ يضربه بالطوق؛ فما كان من عبد السلام إلا أن أخرج المطواة الصغيرة ولكن نتيجة لانقطاع الطوق في يد الغالي قام بمهاجمة عبد السلام بجسده، الأمر الذي جعل المطواة رغم صغرها مع اندفاع الغالي تدخل بين ضلعين وتمس القلب ويتوفى بعدها”، وأضاف: “تمت محاكمة عبد السلام إلا أنه هرب”.

 

عرمان ظل في الصورة .. من قتل بلل والأقرع؟

(بلل حامد بلل) و(محمد أحمد الأقرع) حادثة أخرى يرتفع صوت الحديث عنها كلما ارتفع صوت القيادي بالحركة الشعبية ياسر عرمان، لجهة ارتباطها سياسياً بوجوده ضمن سياق الأحداث، فضلاً عن الاتهام له الذي لم يثبت حتى اللحظة. وطبقاً لشهادة خطية موثقة من القيادي المعروف عادل عبد العاطي في 2007م وتناقلتها العديد من المواقع فإن أحداث العنف بجامعة القاهرة الفرع في فبراير 1986م أدت لمقتل بلل والأقرع ولم يكن ياسر عرمان جزءاً منها لجهة أنه لم يكن (موجوداً ساعة الحدث بالجامعة)، وكان عادل عبد العاطي المتهم الوحيد في تلك الأحداث حيث اتهمه الاتجاه الإسلامي بقتل الطالبين، الأمر الذي دفع عبد العاطي لتسليم نفسه للشرطة وكان معه في تلك اللحظات ياسر عرمان بحكم طابع الصداقة الخاصة التي جمعتهما. عادل عبد العاطي يكشف في شهادته تلك أن الشرطة احتجزته لعامين ونيف في سجن كوبر على ذمة التحقيق والمحاكمة، لتُصدر الأخيرة قرارها ببراءته من كلا التهمتين، وأثبتت كذب شهود الاتهام وطابع القضية التلفيقي وأن الحكم لم يتم استئنافه.

 

بشير الطيب وفيصل حسن عمر

حادثة أخرى كان لها وقعها في الشارع السياسي لجهة ارتباطها ببشير الطيب المتهم بقتله فيصل حسن عمر، وطبقاً لـ د.حاتم عبد الفاضل في حديثه لـ(السوداني) فإن المشكلة بين بشير المحسوب على الجبهة الديمقراطية وبين فيصل المحسوب على الإسلاميين لم تكن مفاجأة بل سبقتها احتكاكات بين الطالبين، وأدت إلى مقتل بشير، لتتهم الجبهة الديمقراطية فيصل بقتله، ونقل المتهم إلى كوبر على ذمة القضية لعامين، وحكمت عليه المحكمة بالإعدام، قبل أن يجيء قرار محكمة الاستئناف ببراءته. وبحسب حاتم بعدها ذهب فيصل إلى مناطق العمليات قبل أن يموت بطريق نمولي في إبريل 1994م.

 

الموت.. بعيداً عن جامعة الخرطوم؟

بعيداً عن جامعة الخرطوم، للجامعات الأخرى نصيب في مشهد حوادث القتل. وطبقاً للوقائع التاريخية كان لجامعة أم درمان الأهلية حادثتها الأشهر في مقتل أحد أبرز كوادر الإسلاميين وداعة الله عقب أحداث عنف وتم فيها اتهام كادر حركة القوى الجديدة (حق) يس آدم جودة عام 1997م، ووقتها كانت قيادة الداخل برئاسة الحاج وراق الذي قال له: “سلم نفسك”. ليقوم جودة بتسليم نفسه بالفعل وتمت محاكمته قبل أن يحسم أولياء الدم الأمر بالعفو. وبحسب شقيق وداعة من والدته الممثل الكندي محمد الأمين في حديث سابق له في العام 1999م بأن رغبة الأسرة كانت العفو، إلا أن إصرار جهات – لم يسمها – على القصاص ساهم في تطويل القضية للحد الذي دفع إلى ابتعاث أشخاص إلى ليبيا لإقناع عم وداعة الله بالحضور إلى الخرطوم والمطالبة بالقصاص في المحكمة.

حادثة أخرى، راح ضحيتها المعز حسن كنة، واتهم فيها ما يقرب الـ10 أشخاص في مقدمتهم القيادي السابق بالحركة الشعبية يين ماثيو والقيادي الحالي بقطاع الشمال عمار نجم الدين والمسؤول الإعلامي الحالي بالمؤتمر السوداني بكري يوسف. ويذهب محامي الدفاع في هذه القضية المعروفة إعلامياً بـ(يين ماثيو وآخرين)، قرشي عبد الحميد في حديثه لـ(السوداني) أمس، إلى أن القضية كانت تعبيراً عن كيد سياسي واضح، فيما وصفها بكري يوسف بأنها قضية بارزة التلفيق، وأن جهات تدخلت لتمرير القضية إلا أن السلطة السياسية صرفت النظر عن المضي فيها وقيدت ضد مجهول.

 

كما برز في السياق حادثة معتصم أبو العاص أو معتصم حامد أبو القاسم حامد، الذي قُتِلَ في 13 يناير 2008م وهو على أعتاب التخرج في السنة الرابعة، كما كان عضو السكرتارية المركزية للجبهة الديمقراطية. ووقعت الحادثة طبقاً لما أورده والد معتصم في رسالة مفتوحة للرأي العام أغسطس 2008م ونقلتها المواقع الإلكترونية أن مجموعة من طلاب المؤتمر الوطني أحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم وظلوا يضربونه من كل اتجاه ثم جاء أحدهم، ومن الخلف وسدد له طعنة قاتلة عمقها 10 سم حسب التقرير الطبي ومنعوا كل من حاول إسعافه حيث ظل غارقاً في دمائه. وكشف الرجل أنه تم تقييد بلاغ بقسم شرطة الحصاحيصا وبعدها تم القبض على القاتل بمدينة كسلا بعد هروبه في 15/1/2008م؛ ليتم إطلاق سراحه فيما بعد.

 

في سياق ذات الأحداث، تجيء قضية مقتل أمين عام الإسلاميين بجامعة شرق النيل محمد عوض الذي قُتِلَ على يد زميله محمد بقاري المحسوب على حركات دارفور على خلفية خلاف دار بين المتهم والمجني عليه في اجتماع لرابطة طلاب دارفور بالكلية انتهى بمهاجمة طلاب منسوبين لحزب المؤتمر الوطني ما أدى لاستخراج المتهم سكيناً طعن بها المجني عليه الذي فارق الحياة، لتحكم المحكمة عليه في يونيو 2016م بالإعدام وأيدت المحكمة العليا قرار محكمة الموضوع.

 

تقرير : عمرو شعبان

الخرطوم (صحيفة السوداني)

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.