Site icon كوش نيوز

النصيحة بين الستر وكسر الخواطر!

شبكات التواصل

من أرقى القيم التي أرساها القرآن الكريم أن تكون النصيحة بابًا للإصلاح، لا وسيلة للإحراج، وأن يكون الهدف من تقويم الأخطاء حفظ كرامة الإنسان، لا النيل من مكانته. وفي هذا المعنى تُروى عن الإمام الشافعي رحمه الله حكمة بليغة: «من وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه». وهي كلمات تختصر منهجًا أخلاقيًّا عظيمًا في التعامل مع أخطاء الآخرين.

لقد جعل القرآن الكريم الكلمة الطيبة أساسًا في بناء العلاقات الإنسانية، فقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]. فالقول الحسن لا يقتصر على جمال الألفاظ، بل يشمل اختيار الوقت المناسب، والأسلوب الحكيم، والمكان الذي يحفظ للإنسان كرامته.

والنصيحة في جوهرها رسالة محبة، لا إعلان إدانة. فحين ننصح إنسانًا بعيدًا عن أعين الآخرين، فإننا نمنحه فرصة لمراجعة نفسه دون خوف من الإهانة أو انكسار صورته أمام المجتمع. أما حين تتحول النصيحة إلى توبيخ علني، فقد ينشغل الإنسان بالدفاع عن كرامته بدلًا من الاعتراف بخطئه.

ومن أبلغ التوجيهات القرآنية قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]. والحكمة هنا تقتضي أن ندرك أن النفوس لا تُصلحها القسوة دائمًا، وأن الكلمة الصادقة حين تُقال برفق قد تفتح قلبًا أغلقته كلمات اللوم والتشهير.

بل إن الله سبحانه أمر موسى وهارون عليهما السلام، وهما يواجهان فرعون، بقوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾[طه: 44]. فإذا كان اللين مطلوبًا في مخاطبة فرعون، فكيف ينبغي أن يكون خطابنا مع إخوتنا وأصدقائنا وأبنائنا؟

وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت هذه الحكمة أكثر إلحاحًا؛ إذ تحولت بعض النصائح إلى منشورات وتعليقات علنية، تُنشر فيها الأخطاء أمام الجميع تحت شعار الإصلاح، بينما قد تكون النتيجة جرح المشاعر وهدم الثقة وتوسيع دائرة الخصومة.

وليس معنى الستر السكوت عن الظلم أو إخفاء ما يهدد حقوق الناس؛ فهناك أخطاء تستوجب المساءلة العادلة، لكن دون تشفٍّ أو إذلال. والفرق كبير بين نصيحة تريد إنقاذ الإنسان، وفضيحة تريد إسقاطه.

إن المجتمع الذي يتقن أفراده فن النصيحة الرحيمة، مجتمع يحفظ المودة ويعزز الثقة ويجعل الإصلاح مسؤولية مشتركة.

فلنجعل من كلماتنا جسورًا للعودة إلى الصواب، لا سيوفًا تجرح الكرامة؛ فالنصيحة الصادقة تُقاس بما تُصلحه من القلوب، لا بما تكشفه من العيوب.

د. فاطمة سعد النعيمي – الشرق القطرية

Exit mobile version