Site icon كوش نيوز

مستقبل التكنولوجيا بعد مائة عام

منذ عدة أشهر هاتفنى خالى طالبًا منى أن أكتب مقالاً عن مستقبل التكنولوجيا فى مصر ووعدته بذلك فعلاً، ولكن وللأسف الشديد لم أستطع أن أوفى بهذا الوعد حتى غادرنا إلى دار الحق منذ أكثر من شهر، ومنذ ذلك الحين وأنا أرغب فى الوفاء بالوعد حتى جاءتنى الدعوة الكريمة من مؤسسة روزاليوسف للحديث عن مستقبل التكنولوجيا فوجدت الفرصة سانحة لمحاولة استشراف مستقبل تملؤه التكنولوجيا ربما بدرجة أكبر بكثير ولا يمكن مقارنتها أيضًا بأى تطور بشرى عبر كل العصور منذ أن وطأت أقدام سيدنا آدم سطح الأرض.

قبل أن نتكلم عن المستقبل دعونا نعود مائة عام إلى الوراء وتحديدًا إلى عام 1926 حينما كان عدد السكان لا يتعدى 2 مليار إنسان، وفى نفس العام بدأت السينما تنتقل من السينما الصامتة إلى الناطقة، وكان عدد خطوط الهاتف الأرضى لا يزيد على 25 مليون خط حول العالم مع وجود خدمات البريد والتلغراف، وفى الإعلام نجد الصحف والإذاعة فقط، وإذا أقمت حوارًا مع أى إنسان فى هذا العصر وحاولت أن تحدثه عن شكل العالم بعد مئة عام فإنه لن يصدق ما تقول، لن يستطيع استيعاب ما معنى الحساب الشخصى ولا شبكة الإنترنت ولا تطبيقات التواصل الاجتماعى ولا الهاشتاج ولا التريند، ربما يستطيع استيعاب معنى الهاتف المحمول والسيارة السريعة والطائرة النفاثة، ولكنك ستتكبد الكثير من المشقة لشرح واستعراض الميتافيرس والذكاء الاصطناعى، كما سيكون الأمر عسيرًا أن تشرح له ما وصلت إليه المشاعر والعلاقات الإنسانية، أما عن الحروب والصراعات فإن الأمر لن يكون صعبًا فذاكرته لا تزال محتفظة بما حدث فى الحرب العالمية الأولى وإن اختلفت أساليب الحروب وانتقالها إلى حروب سيبرانية وحروب مسيرات مستقلة تتحرك وتحلل البيانات وتقدر الموقف وتتخذ القرار باستقلالية تامة.

وإذا حاولنا الآن فى 2026 أن نتخيل شكل المستقبل بعد مائة عام، فأمامنا طريقتان، الأولى أن نمد الخط على استقامته، خط التكنولوجيا وخط الصراعات وخط عدد السكان وغير ذلك من الخطوط، والطريقة الثانية أن ندع كل هذا جانبًا ونطلق لخيالنا العنان متحررين من قيود الحاضر بأن نتوقع أشياء لا نستطيع فهمها أو استيعابها الآن تمامًا مثلما كان الحال قبل مائة عام مع الشخص الذى بدأنا المقال بالحديث عنه ومعه.

التقديرات تشير إلى أن عدد سكان الكرة الأرضية سيتخطى حاجز العشرة مليارات إنسان، مقارنة بالحال اليوم حيث يبلغ عدد سكان الكرة الأرضية حوالى 8.2 مليار وهو معدل أقل كثيرًا من المعدلات السابقة، وذلك يرجع إلى انخفاض معدلات الخصوبة وخروج المرأة إلى سوق العمل وارتفاع مستوى التعليم والوعى والثقافة وإلى ارتفاع متوسط عمر الإنسان وزيادة أعداد كبار السن مقارنة ببدايات القرن العشرين.

أما بالنسبة لموضوع الساعة وأقصد هنا الذكاء الاصطناعى ذلك الذى قام دونالد ترامب مؤخرًا بتغيير مسماه إلى الذكاء الفائق Super Intelligence الذى سيصل إلى مستويات غير مسبوقة ربما ظهرت إرهاصاتها هذا العام فى الانتقال من الذكاء الاصطناعى التوليدى إلى الذكاء الاصطناعى التوكيلى، حيث تتحرك مجموعات من وكلاء الذكاء الاصطناعى فى تنسيق وتعاون فيما بينها لتنفيذ مهام بسيطة ومعقدة عجز الإنسان عن حلها لعقود سابقة مثل تلك المعادلة الرياضية المعقدة ومثل ما قام به من هجمات سيبرانية ومن اكتشاف ثغرات فى الأنظمة عاشت لسنوات دون اكتشاف، على الجانب الآخر سيقل اعتماد الإنسان على قدراته العقلية تاركًا المجال للتطبيقات وللروبوتات، ستكون المدن ذكية والمنازل ذكية ووسائل النقل المختلفة بما فيها الطائرات والسيارات بلا قائد من البشر وفى مجال التوظيف سيختفى عدد منها تمامًا وستأخذ الآلة أغلب الوظائف الأخرى، فلن نجد على سبيل المثال «معلمًا» ولا مدارس، سيتعلم الأطفال كلٌ فى منزله وسيتلقى كل طالب منهجًا دراسيًا مختلفًا عن زملائه يعتمد على مهاراته وقدراته وميوله، وستختفى التخصصات الدقيقة إلا فى يد قلة تستطيع أن تعمل خارج سيطرة الروبوتات أو تستطيع قيادة الروبوتات وتقوم معها بالتخطيط لباقى البشر الذين سيحصلون على تعليم عام يجعلهم على دراية بمجالات كثيرة، أما الأطباء والجراحون فسينحسر عددهم، فالآلة ستشخص وتعالج وتجرى العمليات الجراحية وستكون حاضرة فى جلسات العلاج النفسى لتعطى الإنسان النصح وخطة التعافى، وستتقدم علوم الأدوية واللقاحات، فسيتم القضاء على السرطان تمامًا من خلال تعديلات جينية ومن خلال أدوية للوقاية والعلاج وسيطول عمر الإنسان إلى 120 عامًا أو يزيد، أمر مشابه سيحدث فى المجال الزراعى فسيتقلص عدد المزارعين وستقوم الآلات والروبوتات بالعمل وسيتم استحداث بذور وأنماط جديدة من التربة وستتغير الدورات الزراعية تمامًا، فعلى سبيل المثال قد يتقلص زمن زراعة القمح من أربعة أشهر إلى عشرة أيام وغير ذلك من الزراعات مع زيادة إنتاجية نفس المساحة المنزرعة مما يحقق الأمن الغذائى وانخفاض أسعار الطعام للعالم كله ويتم بذلك تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة التى ستنتهى عام 2030 وتبدأ بعدها فى وضع خطط أخرى.

وعلى نفس النهج سيقوم الذكاء الاصطناعى بالمرور على كل أهداف التنمية المستدامة ويضع لها حلولاً غير متوقعة وخارج كل الصناديق التى حاول البشر العمل بها فيتم القضاء على الفقر والجهل والمرض والحفاظ على البيئة.. إلخ.

على جانب آخر، نجد أن العلاقات الإنسانية ستتأثر كثيرًا، فستصبح هجينة، بين البشر والروبوتات وتطبيقات الذكاء الاصطناعى، قد يصل الأمر إلى التزاوج الافتراضى أيضًا، وعلى الجانب الآخر فإن مفهوم الأسرة سيتأثر كثيرًا، سيقل الإقبال على النمط التقليدى، ستكون الأسر أصغر حجمًا وأقل ترابطًا، سيتعلم الأبناء بواسطة الروبوتات، وهو ما قد يحدث تحت إشراف الأهل فى بعض المجتمعات، أما أنماط الثقافة والسياحة والتسلية فستتغير تماما، الميتافيرس سيكون حاضرًا وبقوة، فلا داعى ولا معنى للرحلات السياحية إلى المناطق الأثرية أو المتاحف أو المعارض الفنية، فالحضور افتراضيًا، فسيتم إغلاق دور السينما وعدد كبير من المسارح التى قد تصمد لبعض الوقت، فيما ستختفى الصحافة المطبوعة تمامًا ويتم استبدالها بالمنصات، وجهاز التليفزيون سيتحول إلى بوابة للمنصات الرقمية، سيختفى المذيع التقليدى ويستبدل بروبوت من الذكاء الاصطناعى يستطيع المشاهد تغيير شكله وصوته أو حتى استبداله بشكل وصوت من يحب، أما فى الدراما فالوضع أكثر تغيرًا، ستختفى الأفلام الطويلة والمسلسلات ويستبدل كل هذا بمقاطع قصيرة لا تزيد على خمس دقائق لتعطى جرعة مكثفة ورسائل كثيرة، سيتم أيضًا استدعاء الماضى وإعادة إنتاجه بصورة متداخلة، فقد نرى فيلمًا قصيرًا يظهر فيه إسماعيل ياسين مع أحمد زكى مع جريجورى بيك ويشاركهم العمل عدد من الروبوتات، وفى نفس الوقت سيتم إعادة كتابة التاريخ بعدة صور مختلفة بناء على وجهات نظر وقد يتم تزييفه أيضًا وهو ما سيجعل عددًا من الجمعيات تنشط بقوة فى مجال الحفاظ على التراث، ولكن صوتها لن يكون مسموعًا فى ظل انتشار المحتوى الجديد وسيطرة الخوارزميات.

للأسف الشديد فإن الصورة السابق الإشارة إليها لن تعم العالم كله، حيث إنها تعتمد كثيرًا على قوة الدول اقتصاديًا ومدى امتلاكها للتكنولوجيا والقدرة على توظيفها وتطويرها، لذلك سنجد مجتمعات لا تزال تعيش فى بدايات القرن الواحد والعشرين أو حتى قبل ذلك قليلاً أو كثيرًا، ولذلك سيحدث انقسام كبير بين البلدان، لن يكون بين الشمال والجنوب أو الشرق والغرب مثلما كانت التقسيمات السابقة، بل سيكون متناثرًا حول العالم كله فقد تجد دولة من الفئة الأولى تجاورها دولة من الفئة الثانية أو الثالثة، وعند هذا الحد لن يكون التقدم يسيرًا بل سيحتاج إلى جهود مضاعفة خاصة بعد قلة اعتماد الإنسانية على الموارد الطبيعية مثلما كان الوضع مستقرًا بدرجة كبيرة فى العصر الصناعى وبدرجة أقل نوعًا ما فى المائة عام الأولى من عصر المعلومات.

م. زياد عبدالتواب – بوابة روز اليوسف

Exit mobile version