غياب لا ينهى الصحبة

كثيراً ما نجلس نشاهد فيلماً، فنشعر أننا لا نشاهد حكاية شخص آخر، بل ربما نطل من نافذة صغيرة على حياتنا، على شيء عشناه فى يوم ما، واعتقدنا أن الزمن أخذه معه، فإذا به يعود إلينا فى مشهد عابر، أو صوت، أو مكالمة هاتفية لم نتوقعها.
حدث لى ذلك وأنا أشاهد الفيلم القصير Mon Taxi، الذى تحكى فيه مخرجة مغربية عن علاقتها بأبيها الراحل، وكيف ظلت تحدثه بعد موته، كأن المسافة بينهما لم تتجاوز المسافة التى تقطعها سيارة أجرة فى شوارع مدينة مزدحمة.
«الموت» لم يكن البطل الذى جذبنى فى هذا الفيلم، بل هذه الصحبة التى تظل حية بعده. ذلك الإنسان الذى لا يكون معنا بالضرورة، لكنه يعرف تفاصيل يومنا، ويسمع ما نريد أن نقوله، حتى حين لا يكون فى حكايتنا شيء مهم، فنحن لا نبحث دائماً عمّا يقدم لنا حلاً، بل عمّا يمنحنا انتباهه، ويترك لنا مساحة نحكى فيها. وربما لأننى كنت يوماً من المحظوظين الذين مروا بتجربة مماثلة، فبعد رحيل زوجى الذى كان مستمعاً جيداً لما أحكيه يومياً وفى أى وقت وأى ساعة على رغم انشغاله، استمررت فى محادثته كل يوم كما كنت أفعل حتى أشعر أن هذا التواصل لم ينقطع، وأن هذه المكالمات العادية ستصبح يوماً جزءاً من ذاكرة.
ربما لهذا السبب تأثرت بهذا الفيلم. فالبطلة لم تكن تحاول استعادة أبيها بقدر ما كانت تحاول أن تواصل الحديث معه. كأنها ترفض أن تنتهى العلاقة لمجرد أن أحد طرفيها لم يعد قادراً على الرد.
حين نفقد من أحببنا، لا نفتقد وجودهم فقط، بل نفتقد الشخص الذى كنا نذهب إليه، من يعرف النسخة التى لا يعرفها الآخرون منا، ومن لا يحتاج إلى مقدمة طويلة كى يفهم لماذا نحكى، أو لماذا نكرر الحكاية نفسها.
سيلفيا النقادي – المصري اليوم
