“مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ”!

في قوله تعالى عن تعدد الزوجات: (مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ)، لو بدأ القول باثنتين فمعناها أن يتزوج أكثر من رجل مشتركين في اثنتين من النساء، ولذلك بدأت بمثنى لتعني اثنتين اثنتين، أي كل رجل يتزوج من اثنتين من النساء، ومثلها ثلاث تعني ثلاثة ثلاثة، ورباع تعني أربعة أربعة.
ونجد مثل ذلك في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ..) فاطر 1، يعني قسم له اثنتين اثنتين من الأجنحة، وقسم له ثلاثة ثلاثة، وقسم له أربعة أربعة، بمعنى منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة.
وفي التعدد: (مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ)، الواو للعطف تدل على أن لك أن تختار بين الحالات الثلاث، ولو قال “أو” فيقتضي التخيير يعني أن تختار حالة واحدة منها فقط إما اثنين أو ثلاث أو أربع.
وقد رأى البعض أن للتعدد أسباب، منها زيادة القدرة الجنسية عند بعض الرجال، أو عقم المرأة، أو مرضها، أو سوء طباعها، مع أنه تعالى قال: (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) النساء 20، وهو الحل بمفارقة الزوجة والزواج بزوجة أخرى، والآية هنا لا تقدم التعدد كحل من الحلول.
فالأصل في الزواج هو بين ذكر واحد وأنثى واحدة، أما التعددية بالنسبة للرجل فهي حالة استثنائية وليست أصلاً، وقد تم وضع حد أعلى لهذه التعددية المشروطة بالعدل بين الأبناء، وعدم أكل أموالهم من والدهم، وامتلاك القدرة المادية على إعالة الجميع.
ومحور الآية هو العناية بالأيتام وكفالتهم من خلال الزواج بأمهاتهم، وتحقيق العدل بين أولاد الرجل من الزوجة الأولى وبين الأيتام أولاد الزوجة التالية، والعدل يكون بين الأيتام المختلفة أمهاتهم، لأن العدل بين النساء هو أمر لا يتعلق به تشريع لأنه غير ممكن في واقع الحال: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ..) النساء 129، وبالتالي لا يكون ذلك محل تكليف لأنه فوق استطاعة الإنسان، بخلاف العدل بين اليتامى فهو محل تكليف لإمكانية حدوثه في الواقع، ولكن طلب تعالى من الرجال إظهار شيء من الميل نحو الزوجة الأخرى: (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ..) النساء 129، بحيث تشعر أنها مازالت مرغوباً فيها.
لا يأمر تعالى الرجال بالعدل بين الزوجات، لأن الأمر لا يتعلق بالمستحيل وإنما يتعلق بالممكن حدوثه في الواقع، والعدل بين الزوجات أمر يستحيل حدوثه في الواقع بالنسبة للزوج.
ومن الخطأ أن نفصل موضوع التعددية عن الهدف الأساسي وهو اليتامى، ونجعل الهدف الأساسي هو حرية الرجل بالزواج متى شاء مثنى وثلاث ورباع، ومن الخطأ ابتداع مبررات للرجل تسمح له بالتعددية مثل عدم إنجاب المرأة مع أن عدم الإنجاب يصيب الرجل أيضاً، ومثل إن الرغبة الجنسية عند الرجل تبرر له التعددية مع أن المرأة قد تزيد عندها الرغبة الجنسية، ومثل عجز المرأة كزوجة بسبب المرض المزمن مع أن الرجل قد يكون هو العاجز المريض، إن ما يسري على المرأة انسانياً يسري على الرجل والحل لا بد أن يكون عادلاً لا أن ينحاز لأحدهما على حساب حق الآخر .
محمد نوار – بوابة روز اليوسف
