وسط انشغال الإنسان بزينة الحياة الدنيا، وسعيه الدائم وراء المال والمكانة والمظاهر، تبرز وصية نبوية خالدة تعيد إلى النفس وعيها بحقيقة الوجود، وتذكّر الإنسان بأن الدنيا ليست دار إقامة، بل محطة عبور إلى حياة أبقى وأعظم.
قال رسول الله ﷺ: «كُنْ في الدُّنيا كأنَّكَ غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ»، رواه البخاري.
ليست هذه الكلمات دعوة إلى هجر الحياة أو اعتزال المجتمع، وإنما هي منهج قرآني متكامل يحرر الإنسان من عبودية الدنيا، دون أن يحرمه من عمارتها والاستمتاع بطيباتها.
فالقرآن الكريم يضع أمام الإنسان حقيقة كبرى، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]. فالحياة الحقيقية الباقية ليست هنا، وإنما هناك، حيث المصير الذي لا يعقبه رحيل.
والغريب، مهما طالت إقامته، لا ينسى وطنه، وعابر السبيل لا يجعل الطريق غايته، بل يتزود منه بما يعينه على بلوغ مقصده. وهكذا المؤمن؛ يعيش في الدنيا، ويعمل وينتج ويُبدع، لكن قلبه لا يستسلم لبريقها الزائل.
ولعل أجمل ما يوضح هذا التوازن القرآني قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]. إنها معادلة تجمع بين العمل والأمل، وبين النجاح الدنيوي والاستعداد الأخروي، فلا رهبانية تعطل الحياة، ولا مادية تُنسي الآخرة.
ومن هنا، فإن مفهوم الغربة النبوية ليس غربة عن الناس، بل غربة عن الغفلة، وليس انسحابًا من مسؤوليات الحياة، بل تحرر من التعلق المفرط بمظاهرها.
ويأتي القرآن ليوقظ الضمير الإنساني بسؤال يهز القلوب: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]. فالوجود ليس رحلة بلا هدف، والعمر ليس أيامًا تُستهلك، وإنما أمانة تُستثمر في الخير والعدل والإحسان.
إن أخطر ما يصيب الإنسان المعاصر ليس قلة ما يملك، بل أن يملك الكثير وينسى لماذا خُلق، وأن ينشغل ببناء بيته في الدنيا، ويغفل عن بناء رصيده من العمل الصالح.
وحين يستقر معنى «عابر سبيل» في الوجدان، تتغير نظرتنا إلى المال والوقت والعلاقات؛ فيصبح المال وسيلة للعطاء، والوقت فرصة للإصلاح، والنجاح مسؤولية لا مجال للتفاخر.
وفي النهاية، ليست الحكمة أن نترك الدنيا بأيدينا، بل ألا نسمح لها بأن تستوطن قلوبنا؛ فنحن هنا لنزرع، وهناك لنحصد، وما بين الزرع والحصاد تتحدد قيمة الرحلة.
د. فاطمة سعد النعيمي – الشرق القطرية

