يعتبر موضوع تعدد الزوجات من الموضوعات التي تشغل بال المرأة المسلمة والرجل المسلم، وهو من الموضوعات التي بسبب إساءة فهمها يتم اتهام الإسلام بأنه ضد المرأة، وأنه دين يسمح للرجل باطلاق شهوته ليستمتع بالنساء.
وموضوع تعدد الزوجات جاء مرة واحدة في قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ (النساء 3، والآيات الأولى من سورة النساء تتحدث عن اليتامى الذين قد يظلمهم الناس، والسياق العام الذي ورد فيه موضوع تعدد الزوجات مرتبط باليتامى.
رعاية اليتامى:
بدأت سورة النساء بدعوة الناس إلى تقوى ربهم وإلى صلة الأرحام، ثم الحديث عن اليتامى الذين فقدوا آباءهم ويأمر تعالى برعايتهم وتنمية أموالهم ودفعها إليهم بعد أن يبلغوا رشدهم، وفي حالة الخوف من عدم رعايتهم والحفاظ على أموالهم فيمكن الزواج من الأرامل أمهات الأيتام، والخطاب موجه للرجال المتزوجين من واحدة وعندهم أولاد، لأن الآية بدأت بـ(مَثْنَى)، ولو كانت الآية تتكلم عن التعدد بشكل عام ومطلق بلا شروط لكانت الصياغة “أولى وثانية وثالثة ورابعة”، بدلاً من (مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ)، ولكن الآية لم تذكر الزوجة الأولى لأنها ليس لها شروط محددة، وذكرت للتعدد شرطين، الأول أن تكون كل من الزوجات الثانية والثالثة والرابعة أرملة ذات أولاد، والثاني أن يتحقق العدل إلى اليتامى.
والكلمة في القرآن نفهم معناها من سياق الآيات، وفي الآية يوجد فرق بين معنى (تُقْسِطُواْ) و(تَعْدِلُواْ)، فكلمة قسط تدل على معنيين متضادين الأول العدل من الأصل أقسط: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) المائدة 42، والثاني الظلم من الأصل قسط: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) الجن 15، وكلمة عدل تدل على معنيين متضادين الأول الاستواء، والثاني الاعوجاج.
والفرق بين القسط والعدل، أن القسط يكون من طرف واحد، والعدل يكون بين طرفين، فالقسط بمعنى العدل في الآية يكون من طرف واحد وهو الرجل الذي يعتني باليتامى، أما العدل بمعنى الاستواء فيكون بين طرفين هما الزوج وزوجته: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ) النساء 3، ولذلك فالقسط بمعنى العدل في الآية موجه لليتامى.
والقول بأن المقصود في الآية هو الزواج من النساء اليتامى فهو غير صحيح، لأن اليتامى اذا بلغوا رشدهم فقد خرجوا من حالة اليتم، قال تعالى: (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ..) النساء 6، وبما أن اليتامى قد بلغوا سن الزواج فإن النساء منهم لم يعودوا من اليتامى، أما قوله تعالى: (وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ) النساء 127، اليتم يعني الحاجة إلى شيء، ومصطلح (يَتَامَى النِّسَاءِ) يدل على حالة من الضعف خاصة بالنساء المحتاجات المنفردات اللاتي ليس لهن زوج.
وفي قوله تعالى: (مَا طَابَ لَكُم)، إشارة للنساء الأرامل ذوات الأولاد واللائي أصبحن مضطرات إلى القبول بأي خاطب يتقدم إليهن، وكأن المعنى المقصود “ما طاب من خاطر النساء ومشاعرهن نحوكم”، وهنا يشير تعالى إلى طيب النفس عند الأرامل مراعاة لهن، ولم تأت الصيغة قهرية مثل “فانكحوا ما شئتم من النساء”، في ظل الظروف الاضطرارية.
محمد نوار – بوابة روز اليوسف

