هل يعود الجِنّي إلى القمقم؟

لماذا لا نبطئ اندفاعنا المحموم نحو تطوير الذكاء الاصطناعى، ونمنح أنفسنا فرصة لنسأل: إلى أين نحن ذاهبون؟ وما الذى يمكن أن يحدث إذا بلغ هذا التطور نقطة اللاعودة، حين لا تعود فيها السيطرة بأيدينا، بل يصبح الذكاء الاصطناعى هو المتحكم فى العالم؟
ليس المقصود بهذا العودة إلى الوراء، ولا إغلاق أبواب العلم، ولا حرمان البشرية من الفوائد الهائلة التى يمكن أن يقدمها الذكاء الاصطناعى فى الطب والتعليم والصناعة والبحث العلمى، وإنما المقصود التوقف مؤقتًا عن دفع قدراته إلى المستويات الخارقة التى تُعرف باسم Super Intelligence، ونضع نظامًا دوليًا صارمًا يضمن أن يظل الإنسان هو صاحب القرار، وأن تظل الآلة أداة فى يد البشر، لا سلطة فوقهم.
إن الذكاء الاصطناعى ليس اختراعًا عاديًا يمكن التراجع عنه إذا اكتشفنا أن له آثارًا جانبية خطيرة، نحن نتعامل مع تكنولوجيا قد تصل، فى بعض صورها المستقبلية، إلى القدرة على اتخاذ القرارات بشكل مستقل عنا، والتصرف بسرعة تفوق قدرة الإنسان على المتابعة أو المراجعة، والخطر هنا يكمن فى أن تمتلك المنظومات التى صنعناها القدرة على العمل على مستوى دولى من دون تدخل من البشر.
إن هذا هو التحذير الذى يوجهه بعض أبرز العلماء الذين أسهموا فى ولادة الذكاء الاصطناعى، ومن بينهم جيفرى هِنتون، الذى يُعد أحد الآباء المؤسسين للتقنيات الحديثة التى قامت عليها ثورة الذكاء الاصطناعى، فقد عبّر هِنتون عن مخاوفه من احتمال أن تتجاوز الأنظمة الذكية قدرة البشر على التحكم فيها، وحذّر من مخاطر بعيدة المدى قد تهدد مستقبل البشرية كلها.
قد يبدو هذا الكلام مبالغًا فيه، وقد يرى البعض أن الآلة لن تمتلك يومًا إرادة مستقلة أو رغبة فى السيطرة، لكن السؤال العقلانى ليس: هل ستحدث الكارثة حتمًا؟ فالخطورة تكمن فى مجرد احتمال حدوثها.
فى مواجهة خطر قد تكون عواقبه نهائية، يصبح الحذر فضيلة لا عائقًا للتقدم. فلماذا لا نركز جهودنا على محاولة إعادة ذلك الجِنّى إلى القمقم الذى أطلقناه منه، إلى أن نضع القواعد التى تمنع خروجه عن السيطرة؟ وهو ما يتطلب اتفاقات دولية، وضوابط ملزمة، وشفافية فى تطوير الأنظمة المتقدمة.
لقد عرف الإنسان فى تاريخه اختراعات غيّرت وجه العالم، لكنه كان يستطيع، فى الغالب، أن يحد من استخدامها، كالقنبلة الذرية، أما إذا صنعنا ذكاءً يتفوق علينا فى القدرة على التفكير والتخطيط والتنفيذ، ثم فقدنا القدرة على التحكم فيه، فقد لا تكون هناك للبشرية فرصة ثانية.
لذلك، ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: إلى أى مدى نستطيع أن نطوّر الذكاء الاصطناعى؟ وإنما: إلى أى مدى ينبغى لنا أن نطوّره بحيث نضمن أنه سيظل فى خدمتنا؟ ليس خوفًا من المستقبل، وإنما حرصًا على أن يظل المستقبل ملكًا للإنسان.
محمد سلماوي – المصري اليوم
