Site icon كوش نيوز

كلك نظر

نقول في لهجتنا لمن نثق في اختياره: «كلك نظر».

عبارة قصيرة، لكنها تحمل معنى أكبر من كلماتها. كأننا نقول للشخص: أنت ترى، وتفهم، وتعرف كيف تختار، ولذلك لن أتدخل في قرارك.

لكن هل كل من ينظر… يرى فعلًا؟

نحن نعيش اليوم في عالم يضع أمامنا خيارات أكثر مما عرفه الإنسان في أي وقت مضى. نختار ماذا نشتري، وأين نعمل، ومن نتابع، وبماذا نستثمر، ومع من نتعامل، وأي فرصة نقبل وأيها نرفض.

ومع كثرة الخيارات أصبح امتلاك حسن الاختيار مهارة لا تقل أهمية عن امتلاك الفرص نفسها.

فليس كل ما يلمع يستحق الاقتراب منه.

وليس كل عرض رخيص صفقة.

وليس كل منصب ترقية.

وليس كل فرصة مكسبًا.

وليس كل شخص يتحدث بثقة يعرف الطريق.

هنا يصبح معنى «كلك نظر» مختلفًا.

فالنظر الحقيقي ليس بالعين وحدها، بل بالعقل والخبرة والقدرة على رؤية ما وراء الظاهر.

في عالم الأعمال مثلًا، قد تصل إلى المدير ثلاثة عروض.

الأول هو الأرخص.

والثاني هو الأسرع.

والثالث أعلى تكلفة، لكنه أفضل جودة وأكثر استدامة وأقل مخاطرة على المدى الطويل.

القرار السهل أن ننظر إلى الرقم.

أما القرار الذكي فهو أن ننظر إلى ما وراء الرقم.

كم سيكلفنا هذا الخيار بعد سنة؟

ما المخاطر؟

هل المورد قادر على الوفاء بالتزاماته؟

هل الجودة تستحق السعر؟

وماذا سيحدث إذا تعطل المنتج أو تأخر المشروع؟

هنا لا تصبح العين أداة للرؤية فقط، وإنما تصبح طريقة للتفكير.

والأمر نفسه يحدث في حياتنا.

قد نرى شخصًا ناجحًا فنرغب في حياته، لكننا لا نرى الثمن الذي دفعه.

نرى منزلًا جميلًا ولا نرى الالتزامات التي وراءه.

نرى وظيفة مرموقة ولا نرى الضغط المصاحب لها.

نرى مشروعًا ناجحًا ولا نرى السنوات التي سبقت نجاحه.

ووسائل التواصل جعلتنا نرى من حياة الآخرين أكثر من أي وقت مضى، لكنها في الوقت نفسه جعلتنا نرى أجزاء مختارة بعناية.

نرى النتيجة ولا نرى الرحلة.

نرى الصورة ولا نرى ما حدث قبل التقاطها وبعدها.

ولهذا ربما أصبحنا بحاجة إلى أن نتعلم ليس فقط كيف ننظر، وإنما كيف نقرأ ما نراه.

وهناك نوع آخر من النظر أراه أكثر أهمية.

أن تنظر إلى الإنسان نفسه.

فقد تجلس أمام شخص لا يقول إنه متعب، لكنك تراه.

وموظف لا يشتكي، لكن أداءه يخبرك بأنه يحتاج إلى دعم.

وابن لا يقول إنه قلق، لكن تغيره يقول الكثير.

وصديق يضحك طوال الجلسة، لكنك تعرف من عينيه أن شيئًا ليس على ما يرام.

هنا يتحول النظر من ملاحظة إلى وعي.

وربما لهذا نقول أحيانًا عن شخص: «عنده نظرة».

لا نقصد قوة بصره.

نقصد أنه يلتقط ما لا يلتقطه الآخرون.

يفهم الموقف قبل أن يُشرح له.

ويرى الخطر قبل أن يتحول إلى مشكلة.

ويعرف قيمة الفرصة قبل أن يلتفت إليها الجميع.

وهذه واحدة من أهم صفات القائد الناجح.

فالإدارة ليست أن ترى ما يحدث أمامك فقط.

الإدارة الحقيقية أن ترى ما يمكن أن يحدث بعد ذلك.

أن ترى الموظف الذي يملك إمكانات أكبر من منصبه الحالي.

أن ترى خطرًا صغيرًا قبل أن يصبح أزمة.

أن ترى فرصة بينما يراها الآخرون فكرة عادية.

وأن تعرف متى تقول «نعم»، والأهم متى تقول «لا».

لكن «كلك نظر» تحمل أيضًا مسؤولية.

فعندما يمنحك شخص ثقته ويقول لك:

«كلك نظر».

فهو لا يمنحك حرية الاختيار فقط.

إنه يحمّلك أمانة الاختيار.

وهذا ينطبق على المدير، والأب، والأم، وصاحب القرار، وحتى على الإنسان في قراراته الخاصة.

فليس المهم أن تكون أمامنا خيارات كثيرة.

المهم أن نملك البصيرة التي تجعلنا نعرف أيها يستحق أن نختاره.

وفي زمن أصبحت فيه الصور أسرع من الحقائق، والمظاهر أعلى صوتًا من التفاصيل، والإعلانات تعرف جيدًا كيف تجذب أعيننا، ربما علينا أن نتوقف قليلًا قبل بعض القرارات ونسأل:

هل أنا أرى الحقيقة… أم أرى فقط ما يريد الآخرون مني أن أراه؟

فالعيون قد ترى الشيء نفسه، لكن العقول لا تقرؤه بالطريقة نفسها.

ولهذا عندما نقول لأحدهم:

«كلك نظر».

فأجمل ما يمكن أن يكون عليه فعلًا..

أن يكون كله بصيرة

كلك نظر

هنادي فرج السويدي – الشرق القطرية

Exit mobile version