تحقيقات وتقارير

الديمقراطية.. فى عصر الـAI

نشاهد يوميًا صورًا وفيديوهات ونقرأ معلومات على هواتفنا قد تكون مصنوعة بالكامل بالذكاء الاصطناعى. والمشكلة ليست فى أن التكنولوجيا أصبحت قادرة على تقليد الواقع، بل فى أن هذا التقليد قد يؤثر فى الطريقة التى نفكر ونحكم بها على الأحداث من حولنا. ومع تزايد المحتوى المضلل والمعلومات المصطنعة، يطرح انتشار الذكاء الاصطناعى سؤالًا مهمًا: ماذا يحدث عندما لا نعود نعرف بسهولة ما هو حقيقى وما هو مزيف؟ وهل يمكن أن تمتد هذه التأثيرات إلى الديمقراطية نفسها، فتؤثر فى آراء الناس وقراراتهم؟

فالديمقراطية اليوم تواجه اختبارًا جديدًا أمام شاشة صغيرة مضيئة؛ ملايين الأصابع تمرر الأخبار، وتعلق على الأحداث، وتشارك المقاطع، وتدخل فى سجالات سياسية لا تتوقف، إذ لم تعد المنصات الاجتماعية مجرد مساحة للترفيه أو التواصل الشخصى، بل تحولت إلى ميدان رئيسى تتشكل فيه الآراء العامة، وتنتشر فيه الأخبار والشائعات.

وفى هذا السياق، كشفت دراسة حديثة لمركز (Pew Research Center)، شملت 45,658 شخصًا فى 37 دولة بين 8 فبراير و13 مايو 2026، أن النظرة إلى أثر وسائل التواصل الاجتماعى أصبحت أكثر سلبية فى معظم الدول مقارنة بالسنوات السابقة.

كما أكد أغلب المشاركين فى الاستطلاع أنه فى الوقت الذى منحت فيه المنصات الناس صوتًا ومعلومات أكثر، جعلت التلاعب بهم والانقسام السياسى أسهل أيضًا.

تشاؤم متصاعد فى الدول الغنية

تبدو «الولايات المتحدة» فى مقدمة الدول الأكثر تشاؤمًا تجاه العلاقة بين وسائل التواصل والديمقراطية؛ إذ يرى 64% من الأمريكيين أن تأثيرها كان سيئًا على الديمقراطية.

لكن اللافت أن هذه النسبة لم تتغير بصورة كبيرة منذ عام 2022؛ بينما اقتربت دول أخرى من الموقف الأمريكى بعد موجة من التراجع فى التقييمات الإيجابية.

وضمت قائمة الدول التى رأى نصف سكانها أو أكثر أن وسائل التواصل أضرت بالديمقراطية كلًا من: «أستراليا، وكندا، وفرنسا، وألمانيا، وهولندا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة»، وهى جميعًا من الدول الأعلى دخلًا بين الدول التى شملها الاستطلاع.

وعلى الجانب الآخر، تسود النظرة الإيجابية فى دول متوسطة ومنخفضة الدخل، مثل «غانا، وكينيا، ونيجيريا، والفلبين، وتايلاند».

ولكن، تتباين المواقف بوضوح داخل «أوروبا» نفسها؛ فعلى سبيل المثال، كان البولنديون والإيطاليون واليونانيون أكثر ميلًا إلى رؤية أثر إيجابي؛ بينما تقول الأغلبية فى «المملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وهولندا» إن وسائل التواصل كانت سيئة للديمقراطية.

أما فى منطقة «آسيا، والمحيط الهادئ»، فمالت الآراء إلى النظرة الإيجابية فى «تايلاند، وسنغافورة، والفلبين، وماليزيا»؛ بينما رأى 52 % من الأستراليين، و43% من اليابانيين، والنسبة نفسها فى «إندونيسيا»، أن تأثيرها سلبى.

بينما رأى نصف السكان على الأقل فى الدول التى شملها الاستطلاع فى «الشرق الأوسط، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية»، أن تأثير وسائل التواصل كان إيجابيًا؛ بينما كانت «تشيلي» الدولة الوحيدة فى هذه المناطق التى بلغت فيها نسبة من يرون التأثير سلبيًا 4 من كل 10 على الأقل.

التلاعب بالمعلومات.. الخطر الأكثر وضوحا

أبرز ما كشفه استطلاع (بيو) أن المخاوف من التضليل تتفوق بوضوح على كثير من المخاوف الأخرى المرتبطة بوسائل التواصل؛ إذ قال نحو 79 % من المشاركين إن الوصول إلى الإنترنت ووسائل التواصل جعل من الأسهل التلاعب بالناس عبر المعلومات الكاذبة والشائعات.

ولم تكن هذه المخاوف مقصورة على مجموعة محددة من الدول؛ إذ أكد أغلبية المشاركين فى جميع البلدان التى شملها الاستطلاع أن هذه التكنولوجيا جعلت التلاعب بالمعلومات أسهل.

ويأتى ذلك، فى وقت أصبحت فيه عملية إنتاج المحتوى نفسها أكثر سهولة بفعل الذكاء الاصطناعي؛ فإنتاج نصوص، وصور، ومقاطع صوتية ومرئية مقنعة لم يعد يتطلب بالضرورة غرف أخبار، أو استوديوهات، أو مهارات تقنية متقدمة.

وبذلك، تضاف قدرة جديدة إلى مشكلة التضليل التى رصدها (بيو)، وهى إنتاج كميات كبيرة من المحتوى المضلل بسرعة وبتكلفة منخفضة، ثم دفعه إلى جمهور محدد.

المنصات تزيد الانقسام السياسى

يبرز (الاستقطاب) باعتباره الخطر الثانى الأكثر وضوحًا فى البيانات؛ إذ أكد 68 % أن الإنترنت ووسائل التواصل جعلا الناس أكثر انقسامًا فى آرائهم السياسية.

وفى 10 دول، وصلت نسبة من يرون أن وسائل التواصل زادت الانقسام السياسى إلى نحو 80 % أو أكثر.

وجاءت «الولايات المتحدة» ضمن هذه المجموعة، إذ رأى 81 % من الأمريكيين أن وسائل التواصل زادت الانقسام السياسى، وهى نسبة قريبة من 79 % المسجلة عام 2022.

واللافت أن الانقسام فى «الولايات المتحدة» شمل المنتمون إلى الحزبين الديمقراطى والجمهورى على حد سواء.

للشباب رأى آخر

يمثل العمر عاملًا فارقًا فى تقييم المنصات؛ فالشباب كانوا أكثر ميلًا إلى اعتبار وسائل التواصل مفيدة للديمقراطية من كبار السن فى غالبية الدول.

وظهر الفارق الأوضح فى «المملكة المتحدة»، حيث رأى 60 % من البالغين بين 18 و34 عامًا أن تأثير وسائل التواصل كان إيجابيًا، مقابل 31 % فقط ممن تبلغ أعمارهم 50 عامًا فأكثر.

كما بلغت النسبة الإيجابية فى «الولايات المتحدة» 44 % فى من تقل أعمارهم عن 35 عامًا، مقابل 28 % بين من تجاوزوا الخمسين رأوا سلبية مواقع التواصل.

ومع ذلك، أكد الشباب أنهم لا يرون الجانب الإيجابى وحده؛ فهم أكثر احتمالًا –أيضًا- للاعتقاد بأن وسائل التواصل جعلت الناس أكثر عرضة للانقسام والتلاعب، ويعود ذلك –جزئيًا- إلى أنهم الأكثر استخدامًا للمنصات، والأكثر تنوعًا فى استخدامها.

كما أظهر عامل التعليم نمطًا مشابهًا؛ فالأشخاص الأعلى تعليمًا أكثر ميلًا فى بعض الدول إلى رؤية الفوائد والأضرار معًا، وهم –أيضًا- أكثر استخدامًا لعدد أكبر من المنصات.

(تيك توك) يتقدم.. و(فيسبوك) ما زال فى الصدارة

لا يمكن فصل هذه النتائج عن سرعة تغير خريطة المنصات نفسها؛ إذ أظهر استطلاع آخر للمركز ذاته احتفاظ «فيسبوك» بمكانته كموقع تواصل الأكثر استخدامًا عمومًا بين المنصات الخمس التى شملها الاستطلاع، يليه «إنستجرام»، ثم «تيك توك»، فى حين بقى استخدام «إكس» و«سناب شات» أقل انتشارًا.

لكن اتجاه النمو استخدام تلك المواقع ذو أهمية أيضًا؛ ففى 8 دول متوسطة الدخل، ارتفع استخدام «تيك توك» بصورة كبيرة فى معظمها فى عام 2026 مقارنة بعام 2023.

وفى «نيجيريا» وحدها، قفزت نسبة مستخدميه من 25 % عام 2023 إلى 57 % فى 2026، أى أكثر من الضعف.

كما ارتفع استخدام «إنستجرام» فى 6 من الدول الثمانى، منها «نيجيريا» و«الأرجنتين» و«إندونيسيا» و«الهند».

وعلى الجانب الآخر، ظل استخدام «إكس» مستقرًا أو تراجع فى معظم الدول.

الذكاء الاصطناعى يرفع سقف الخطر

تأتى هذه التحولات فى لحظة تتغير فيها طبيعة المحتوى الرقمى نفسه؛ فالذكاء الاصطناعى صار يمنح المستخدمين، والجهات المنظمة للحملات، والمعلنين، وصناع المحتوى قدرة متقدمة على إنتاج مواد تبدو واقعية ومقنعة.

وهنا تصبح نسبة 79 % المذكورة سابقًا فيما يخص تلاعب الإنترنت ووسائل التواصل بالناس عبر المعلومات الكاذبة والشائعات أكثر سهولة، بل وأكثر أهمية، فى ظل ما يمكن أن تفعله أدوات الذكاء الاصطناعى التى تجعل التحقق من أصل المحتوى أكثر تعقيدًا فى الوقت الحالى، خاصة عندما يتعلق الأمر بالصور ومقاطع الفيديو والأصوات المصطنعة.

والخطر لا يكمن فقط فى أن يصدق الناس خبرًا كاذبًا، وإنما فى احتمال الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الجمهور عاجزًا عن معرفة ما إذا كان المحتوى الذى أمامه حقيقيًا أصلًا.

وعندما تهتز الثقة فى الصورة، والصوت، والنص، تتضرر- بالتبعية- البيئة التى تقوم عليها عملية اتخاذ القرار السياسى.

سباق بين التكنولوجيا والتنظيم

تأتى هذه المخاوف بالتزامن مع تصاعد التدقيق الحكومى والقضائى فى أداء شركات التكنولوجيا، والبحث عن قواعد أكثر صرامة لحماية المستخدمين والخصوصية.

وتقدم «أستراليا» مثالًا على هذا الاتجاه؛ فبعد منع استخدام وسائل التواصل لمن هم دون 16 عامًا، أظهر استطلاع (بيو) أن 82 % من البالغين الأستراليين يؤيدون منح المستخدمين القدرة على تعطيل الخوارزميات التى تقترح عليهم المحتوى.

ويعكس ذلك تحولًا فى السؤال المطروح أمام الحكومات؛ فلم يعد الأمر متعلقًا فقط بمسؤولية المستخدم عن ما يقرأ وينشر، بل –أيضًا- بمسئولية المنصة عن الطريقة التى تختار بها ما تعرضه عليه.

فى النهاية.. تكشف هذه المعطيات أنه رغم منح وسائل التواصل الاجتماعى مساحة أوسع للمشاركة والتعبير، لكنها فتحت -فى الوقت نفسه- أبوابًا أوسع للتضليل، والاستقطاب، والتلاعب بالرأى العام. ومع صعود الذكاء الاصطناعى، تتعقد المعادلة أكثر، بعدما أصبح إنتاج المحتوى المضلل أسرع، وأسهل، وأكثر إقناعًا.

 

آلاء شوقي – بوابة روز اليوسف

اسماء عثمان

محررة مسؤولة عن تغطية الأحداث الاجتماعية والثقافية، ، تغطي القضايا الاجتماعية والتعليمية مع اهتمام خاص بقضايا الأطفال والشباب.
زر الذهاب إلى الأعلى