Site icon كوش نيوز

وزير الخارجية الأسبق السفير د. علي الشريف يدعو إلى حسم ملف نقطة الدعم اللوجستي الروسية وفق المصالح السودانية

في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي وتزايد الضغوط على السودان بشأن مسارات الهدنة ومستقبل الحرب تبرز قضية إنشاء نقطة دعم لوجستي روسية على ساحل البحر الأحمر بوصفها أحد الملفات الاستراتيجية التي تفرض نفسها على طاولة القرار في الخرطوم وسط دعوات إلى حسم الموقف منها وعدم تركها معلقة إلى أجل غير مسمى.
وفي هذا السياق دعا وزير الخارجية الأسبق علي يوسف أحمد الشريف قيادة البلاد إلى عدم إطالة أمد النظر في المشروع مؤكداً أهمية دراسة خيارات السودان الخارجية بما يخدم مصالحه الوطنية في المرحلة الراهنة. وتكتسب هذه الدعوة أهميتها من توقيتها في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى توسيع هامش المناورة الدبلوماسية وتنويع الشراكات الدولية وتعزيز قدرة السودان على حماية مصالحه الاستراتيجية في منطقة البحر الأحمر.
والشريف دبلوماسي مخضرم يمتلك خبرة تتجاوز أربعة عقود ويحمل درجة الدكتوراه في القانون الدولي كما تولى رئاسة بعثات السودان الدبلوماسية في الصين وجنوب أفريقيا ولدى الاتحاد الأوروبي قبل أن يتولى حقيبة وزارة الخارجية خلال الفترة 2024–2025.
وأجرى الشريف مباحثات مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في موسكو “فبراير 2025” والتقاه على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في أبريل من العام نفسه، ما يمنح قراءته للعلاقات السودانية الروسية أبعاداً تتجاوز التقديرات النظرية إلى خبرة مباشرة في إدارة الملفات الدبلوماسية.
وفي حديثه بشأن التطورات الأخيرة أشار الشريف إلى ان الخلافات المتعلقة بالهدنة مع امريكا تفرض على الحكومة السودانية إعادة تقييم خياراتها الخارجية والنظر بجدية في البدائل التي تتيح لها حماية مصالحها الوطنية دون الارتهان لمسار واحد.
تأتي هذه المواقف في ظل توترات مع أمريكا بسبب مقترح الهدنة وشروط وقف إطلاق النار، ورفض تأشيرة دخول رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أثار جدلاً بشأن طبيعة العلاقة بين الخرطوم وواشنطن في وقت تباينت فيه المواقف حول المقترحات الأمريكية للهدنة.
في صلب هذا الجدل تأتي دعوة الشريف إلى دراسة مشروع نقطة الدعم اللوجستي الروسية والإسراع في اتخاذ قرار بشأنه باعتباره خياراً يستحق التقييم الجاد في ضوء الظروف الراهنة.
وتكمن أهمية الملف في أن الفكرة ليست وليدة اللحظة فقد سبق أن طرحت تفاهمات بشأن إنشاء نقطة دعم لوجستي روسية على الساحل السوداني للبحر الأحمر غير أن الانتقال من التفاهمات إلى التنفيذ ظل رهناً باعتبارات سياسية وأمنية وفنية وقانونية متعددة.
ومن هنا فإن الدعوة إلى الإسراع لا تعني بالضرورة تجاوز متطلبات الدراسة والتقييم وإنما تدفع باتجاه إنهاء حالة الانتظار والوصول إلى موقف واضح يستند إلى حسابات المصالح السودانية ويوازن بين المكاسب المتوقعة والتحديات المحتملة.
وتتعلق المسألة في جوهرها بموقع السودان في معادلات البحر الأحمر الذي يمثل ممراً حيوياً للتجارة الدولية وحركة الملاحة فضلاً عن أهميته الأمنية والاستراتيجية المتزايدة في ظل التنافس بين القوى الدولية والإقليمية.
يقتضي النقاش الموضوعي التمييز بين مفهوم نقطة الدعم اللوجستي والقاعدة العسكرية التقليدية إذ يرتبط المشروع المطروح بتقديم خدمات الإمداد والتموين والدعم الفني للسفن بينما تتوقف طبيعته الفعلية وآليات عمله على نصوص الاتفاق النهائي وشروطه القانونية والتنفيذية.
وتشير الصيغ التي جرى تداولها بشأن المشروع إلى قيود على حجم الوجود الروسي من بينها أعداد السفن والأفراد المسموح بوجودهم في المنشأة غير أن تحديد هذه القيود ومدى إلزاميتها يتطلب الرجوع إلى النصوص الرسمية المعتمدة لا الاكتفاء بالتقديرات أو المعلومات المتداولة.

وفي جميع الأحوال فإن وجود شراكة لوجستية مع روسيا لا ينبغي أن يقرأ بمعزل عن المصالح السودانية الأوسع ولا أن يتحول إلى قرار منفصل عن حسابات الأمن القومي والسيادة الوطنية فالمعيار الأساسي يتمثل في قدرة أي اتفاق على تحقيق مكاسب ملموسة للسودان وتعزيز أمن سواحله وموانئه وتوسيع خياراته الاقتصادية والدبلوماسية دون أن يفرض عليه التزامات تتعارض مع استقلال قراره.
تنبع أهمية المشروع من الموقع الجغرافي للسودان المطل على البحر الأحمر وما يتيحه ذلك من فرص لتعزيز دوره في حركة التجارة والملاحة الدولية وتطوير البنية التحتية للموانئ واستقطاب الاستثمارات والشراكات ذات العائد الاقتصادي والأمني.
وفي ظل التنافس الدولي المتصاعد على النفوذ في المنطقة فإن امتلاك السودان رؤية واضحة لإدارة علاقاته الخارجية يصبح ضرورة استراتيجية لا مجرد خيار دبلوماسي. فالمطلوب ليس استبدال شريك دولي بآخر وإنما توسيع دائرة الشراكات بما يضمن للخرطوم هامشاً أكبر من الحركة ويحول موقعها الجغرافي إلى مصدر قوة ومصلحة وطنية.
ومن هذا المنطلق يمكن أن يشكل مشروع نقطة الدعم اللوجستي الروسية أحد الملفات التي تستدعي مراجعة شاملة تتناول جدواه الاقتصادية والأمنية والتزاماته القانونية وانعكاساته على علاقات السودان مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية.
وتكتسب التحركات السودانية الروسية أهمية إضافية في ضوء القمة الروسية الأفريقية المرتقبة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر وفق الموعد الوارد في المعطيات المتداولة بشأن الحدث وقد تتيح اللقاءات المرتبطة بها فرصة لمناقشة الملفات الثنائية بما فيها التعاون الاقتصادي والعسكري واللوجستي إذا تأكدت مشاركة رئيس مجلس السيادة الفريق اول ركن عبدالفتاح البرهان وجدول أعمالها.
كن الاستفادة من مثل هذه المحطات لا تتحقق بمجرد عقد اللقاءات وإنما بوجود رؤية سودانية محددة وأولويات معلنة وتصور واضح للمكاسب التي يسعى السودان إلى تحقيقها من أي تفاهمات جديدة.
فالمفاوض الذي يدخل الاجتماعات بأهداف واضحة يكون أقدر على تحويل التقارب السياسي إلى اتفاقات عملية بينما يؤدي غياب الرؤية إلى إطالة أمد التفاهمات وتعليقها بين الاعتبارات المتعارضة.
في المحصلة لا تتمثل الرسالة الأساسية في مطالبة السودان بالانحياز المطلق إلى روسيا أو الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة وإنما في ضرورة امتلاك خيارات متعددة وإدارة العلاقات الخارجية على أساس المصالح الوطنية المتبادلة.
وتطرح دعوة علي يوسف أحمد الشريف سؤالاً جوهرياً أمام صانع القرار السوداني إلى متى يظل ملف بهذه الأهمية الاستراتيجية معلقاً دون حسم واضح؟
إن المطلوب ليس التسرع في اتخاذ القرار كما أنه ليس إبقاء الملف مفتوحاً إلى أجل غير مسمى، بل إجراء تقييم وطني شامل يحدد المكاسب والتكاليف والمخاطر ويضمن حماية السيادة السودانية ثم اتخاذ القرار وفق ما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.
فالسودان بما يمتلكه من موقع استراتيجي على البحر الأحمر لا ينبغي أن يكون مجرد ساحة لتنافس الآخرين بل طرفاً فاعلاً في صياغة التوازنات الإقليمية وتحديد شكل علاقاته الدولية.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى حسم ملف نقطة الدعم اللوجستي الروسية وفق رؤية سودانية مستقلة تجعل المصلحة الوطنية والسيادة معيارين لا يقبلان المساومة.
السوداني

Exit mobile version