Site icon كوش نيوز

القرن الأفريقى.. هل بدأ تفكيك تشابك الأزمات؟!

إفريقيا - خريطة

فى مقالنا السابق «التمرد الإثيوبى وسراب التفاؤل المصرى» أكدنا أن نجاح التمرد يفكك الدولة الفيدرالية لدويلات تحكمها ميليشيات عرقية، تتبادل العداء ونوايا الحرب، تنشر الفوضى وانعدام الأمن، وتهدد المصالح المصرية.. اتساع الرقعة الجغرافية للتمرد وتعدد فصائله وقومياته، تزامن وتوتر علاقات إثيوبيا بدول الجوار «إريتريا، الصومال، جيبوتى، والسودان»، ما جلب قوى دولية وإقليمية فرضت توازنات، وأفشلت حسابات اقتناص المنفذ البحرى السيادى.. تمرد القوميات فرض على آبى أحمد التهدئة والتوافق مع محيطه الجيوسياسى، زيارتاه لجيبوتى 24 سبتمبر 2026، وكينيا 30 سبتمبر حملتا رسائل ضمنية مؤداها «إنه يسعى لتأمين بدائل سلمية للطاقة والتجارة، تفاديًا لأى اختناقات اقتصادية قد يفرضها التمرد، وأن محاولة الحصول على منفذ تحتاج للمراجعة».

فى جيبوتى شارك آبى أحمد فى احتفالات بدء تنفيذ مشروع خط أنابيب استراتيجى للنفط المكرر، يربط «داميرجوج بجيبوتى» مع «دولى بإثيوبيا» بطول 120 كيلومترا وتكلفة 660 مليون دولار، ويُشيّد على طرفيه محطتى تخزين حديثة، الزيارة تزامنت مع سيطرة التيجراى على بلدات استراتيجية شمال إقليم «عفر» الإثيوبى تعتبر عقد مواصلات حاكمة لممر «جيبوتى/ أديس أبابا» الدولى (A1) الذى تمر عبره 95٪ من تجارة إثيوبيا عبر موانئ جيبوتى، ما يعنى دخول التمرد مرحلة الحصار الاقتصادى لأديس أبابا.. آبى أحمد طالب جيبوتى بالمشاركة فى تأمين محاور الممر الرئيسية وتقليل تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية، الرئيس «إسماعيل جيله» أكد حرص جيبوتى على إبقاء ممرات التجارة مفتوحة بالتعاون بين قوات الدولتين؛ كل فى القطاع الذى يقع داخل حدوده السياسية، خاصة أن الإشكاليات والحساسيات القبلية تلقى بظلالها على أى ترتيبات عابرة للحدود.

وفى كينيا شارك آبى أحمد فى احتفالات تدشين مصفاة «لامو» لتكرير النفط بتكلفة 16 مليار دولار وإنتاجية 700 ألف برميل/ يوم، والتى يسعى للاستحواذ على حصة من أسهمها لتأمين احتياجاته النفطية، وأكد اهتمامه بسرعة تفعيل ممر «لامو بكينيا/ جنوب السودان/ إثيوبيا» للربط اللوجستى والصناعى، المشروع يتكامل مع خط نفط جيبوتى/ إثيوبيا، ويعكسان توجها لتوسيع البنية التحتية الإقليمية للطاقة والنقل وربط الاقتصادات الحبيسة- خاصة إثيوبيا- بالموانئ وشبكات إمداد شرق أفريقيا، وهو البديل السلمى للمنفذ السيادى.

الرئيس الصومالى «حسن شيخ محمود» يعتبر حسن العلاقة مع إثيوبيا قيدا على اعترافها بصوماليلاند والانحياز للمشروع الإسرائيلى لتفتيت الصومال، زار أديس أبابا 29 سبتمبر فطالبه آبى أحمد بدعم جهود فرض الأمن داخل إثيوبيا أسوة بدور القوات الإثيوبية فى الصومال. «محمود» أكد أن سحب القوات الإثيوبية من الصومال «قرابة 10 آلاف» سيكون أكثر فاعلية، لأن القوات الصومالية فى مرحلة تدريب وإعادة تنظيم لتحمل عبء الأمن بالبلاد، (آبى أحمد حاول تشتيت القوات الصومالية ليقيد تعاملها مع صوماليلاند الانفصالية إبان انشغاله بالتمرد، بينما وجدها «محمود» فرصة للتخلص من الوجود الإثيوبى)، وقد تم سحب 3000 جندى ووضع جدول عاجل لسحب البقية.

بعد عودته لمقديشو، أعلن «محمود» استعداده السماح بوصول إثيوبيا التجارى إلى البحر- استيرادًا وتصديرًا- عبر موانئ الصومال، شريطة توقيع اتفاق تجارى يكفل سيادتها الكاملة، مؤكدا رفض أى قواعد أو وجود عسكرى على أراضيه، بما يتوافق وقواعد القانون الدولى الخاصة بعلاقة الدول المشاطئة بالدول الحبيسة.. هذا الطرح يتفق ورؤية مصر التى لا تعارض سوى التواجد العسكرى أو السيادى على سواحل البحر الأحمر للدول غير المشاطئة، أما التجارى فهو حق لها ومستمر منذ عقود عبر موانئ جيبوتى.

آبى أحمد يحاول معالجة التداعيات السلبية لاتفاق المنفذ البحرى مع صوماليلاند، خاصة ما يتعلق بإفساد تحالفه مع الصومال نتيجة تورطه فى محاولة تفكيكها، وزعزعة شراكته مع جيبوتى لخشيتها من فقدان رسوم الموانئ وخدمات الشحن والتفريغ والتخزين والنقل بقرابة «1.5 مليار دولار/عام»، وعداء إريتريا لتوعده بالسيطرة على ميناء «عصب» بالقوة، وكذا عداء السودان لتشجيعه تمرد ميليشيات الدعم السريع وتقديمه كل صور الدعم لها.

كثير من المحللين يتوقعون محاولة آبى أحمد «الهروب إلى الأمام» باحتلال ميناء عصب، والالتفاف حول التمرد بتحقيق مكاسب قومية تعبئ الرأى العام بمختلف قومياته وتسحب البساط من تحت أقدام المتمردين، هذا الخيار قد يبدو جذابا لآبى أحمد كضوء الشمعة لفراشات الليل، لكن التقدم فى اتجاهه خطر داهم، قد يعجل بالانهيار الداخلى بدلا من احتوائه، فإريتريا أعلنت التعبئة والحشد، وتعرضها للاعتداء- فى ظل توازنات القوى بالقرن الأفريقى، وثقل محور «القاهرة/ أسمرة/مقديشو/ الخرطوم»- لن يكون رحلة سفارى فى هضاب وأحراش السافانا بل انتحار عسكرى وسياسى.

لا تشغلنى ملاسنات المسؤولين والإعلام الإثيوبى، وكَيلُ الاتهامات لمصر كلما تعقد المشهد الداخلى، فآبى أحمد- عقيد المخابرات الأورومى- يسعى لتوظيف ورقة «العدو المصرى» لتعبئة الشعب، مثلما فعلت حكومات التيجراى لعقود، لكن ذلك لا يحول دون تفاعله مع الوساطة الأمريكية لتسوية خلافاته مع القاهرة، على الأقل خلال الطور غير المعلن من الاتصالات، وإذا ما حان وقت إعلان صفقات فهو يعرف كيف يبيعها لشعبه وكأنها انتصار تاريخى.

تداعيات الموقف الإثيوبى انعكست على القرن الأفريقى؛ المخاوف من تفككها ترتبط باختلال الأمن والاستقرار بالإقليم، والتهديد بالحرب ضد إريتريا يهدد بتحولها لإقليمية، وحرب الحدود الإثيوبية السودانية، وإشكالية المنفذ البحرى، وأزمة السد، وتدهور العلاقات مع مصر، وأمن طريق جيبوتى.. شبكة متداخلة وملتهبة من الأزمات، إدارتها وتفكيكها وفق نظرية «هنرى كيسنجر» تتم عبر دفعها لحافة الهاوية Brinkmanship، وتركها تشتعل حتى يدرك الجميع أن «الاستمرار يعنى الانتحار»، ثم تتدخل واشنطن بحلول تخدم مصالحها.. لقاءات آبى أحمد وفرت بدائل جزئية للمنفذ، وجهود «مسعد بولس» محاولة لتفكيك الأزمات، لكنه لا يضمن حلها.

جمال طه – المصري اليوم

Exit mobile version