Site icon كوش نيوز

المعنى الذي في بطن الشاعر

يظل التدافع بالشد والجذب قائمًا بين الطرفين إلى أن يجد كاتب الرأى نفسه وقد خلق لذاته سقفًا وخطًا داخليين فى ذهنه، يلتزم بعدم تجاوزهماـ دون أن يتدخل الطرف الأول مباشرة، وبدون تدافع ليرتاح الطرفان، ولو مؤقتًا.

وعادة ما يفسر الكاتب أو صاحب الرأى الأمر وفق قواعد وأمثلة كثيرة، مثل «ما لا يدرك كله، لا يترك كله»، و«ليس فى الإمكان أبدع مما كان»، و«اختيار أخف الضررين أوجب»، أو عندما سأل الأسد الثعلب عمن علمه حكمة عدم المطالبة بأى نصيب فى الصيد، فأجاب الثعلب «رأس الذئب الطائر».

وما يتصل بذلك من أمثلة شعبية صاغتها خبرة الناس عبر العصور: «إذا رأيت الناس تعبد جحشًا فقم بحش البرسيم له»، و«من يتزوج أمى أقول له يا عمى»، و«العين لا تعلو على الحاجب.. والمياه لا تطلع فى العالى»، وصولًا إلى نصوص مقدسة أو متواترة تتضمن الأمر الوجوبى بطاعة من بيده الأمر، حتى لو كان أقل شأنًا ممن يحكمهم، ومنها نصوص فى الإنجيل والقرآن والحديث.

وقد يزداد الأمر وطأة إذا ما اعتقد الطرف الأول مثلما اعتقد عثمان بن عفان- رضى الله عنه- عندما تحرك الناس لعزله، فقال قولته الشهيرة: «لم أكن لأخلع سربالًا سربلنيه- أى رداء ألبسنيه- الله»، وحدث ما حدث من فتنة كبرى، ما زالت تمسك بخناق قطاعات عريضة من المسلمين.

ثم إن التراث التاريخى فيه حكاية حدثت للخليفة العباسى المعتضد بالله، ويقال إنه كان المأمون أو المتوكل، وبصرف النظر عن الاسم، إلا أنها وقعت، إذ تلقى الخليفة رسالة من أحد الخصوم، وفى ظاهر لفظها دعاء بليغ وتمنيات أكثر من طيبة، وتقول: «أدام الله لك أيام النحل، وجعل كتابك فى عليين، وحشرك الله مع الأبرار، وجعلك كأصحاب الكهف، وأقر عينك، وأسكن قلبك… إلى آخره».

وابتهج الخليفة بهذا المدح والثناء، إلى أن برز أحد الحضور وفسر العبارات وفكك مراميها اللغوية، ليتنبه الخليفة لما فيها من هجاء ودعاء بالخسارة والهلاك، إذ قال ذلك الذى فسرها إن «أدام الله لك أيام النحل» يقصد بها ظاهريًا أيام العسل والخير، ولكن معناها الحقيقى أن النحل يموت إذا خرجت ملكته أو يقضى عليه عندما يؤخذ عسله، فيكون اللسع والاضطراب.

أما عبارة «وجعل كتابك فى عليين» فظاهرها الرفعة والمكانة العالية فى الجنة، وحقيقتها أن كتاب عليين لا يفتح ولا يوضع فيه اسم الشخص إلا بعد وفاته؛ وهو هنا يدعو عليه بالموت العاجل.

وأما عبارة «وحشرك الله مع الأبرار» فظاهرها مرافقة الصالحين والأنبياء، وحقيقتها أن الحشر مع الأبرار لا يكون إلا يوم القيامة، أى بعد الموت والبعث؛ فهى دعوة مبطنة بإنهاء حياته.

ثم إن ظاهر عبارة «وجعلك كأصحاب الكهف» فهو المعجزة والذكر الخالد، وحقيقتها أن أصحاب الكهف ضُرب على آذانهم وناموا سنين طويلة معزولين عن الدنيا وعاجزين، أى أنه دعا عليه بأن يجعل الله ملكه فى نوم وعجز وذهاب.

ثم إن «أقر الله عينك» أى أغلقها إلى الأبد، و«أسكن قلبك» فظاهرها الطمأنينة وحقيقتها التى أرادها صاحب الرسالة هى توقف قلبه عن النبض!

وتلك الحكاية تدخل ضمن التحايل الذى قد يلجأ إليه صاحب الرأى المعارض لولى الأمر، أى تحت السقف الذى لا يمكن تخطيه.

ولعل البعض يذكر الواقعة التى حدثت مع نيكيتا خروتشوف، زعيم الاتحاد السوفيتى، وهو فى مؤتمر كبير، وورد على لسانه عبارات تذم وتنتقد سلفه ستالين، وتلقى ورقة من القاعة كتب فيها: «لماذا لم تقل هذا الكلام فيما كنت موجودًا مع ستالين؟» وليس عليها توقيع، وسأل عمن كتبها، فلم يرد أحد، فأجاب «كنت مثلك فى الموقف نفسه»!

وبالمناسبة، فإن مجال الشعر العربى لم يخلُ من هذه السمة، ومن أشهر الأبيات التى التبس ظاهرها بالمدح وباطنها بالهجاء اللاذع، بيت للشاعر الحطيئة فى هجاء الزبرقان بن بدر على أيام الخليفة عمر:

«دع المكارم لا ترحل لبغيتها.. واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى»

وفهم الزبرقان أنه يهجوه، ولكن الحطيئة أكد أنه يمدحه، وشكاه لعمر، الذى استدعى الشاعر حسان بن ثابت ليفصل فى الأمر، فقال حسان: «ما هجاه بل سلح عليه، أى ذمه بأقبح الذم»، لأن معنى البيت: اترك المكارم لأهلها فلست كفؤًا لها، واقعد فى بيتك كالعاجزين، فقصارى جهدك فى الحياة أن تأكل وتلبس دون أى أثر أو مروءة.

وهناك أبيات أخرى للمتنبى مبطنة، ظاهرها مدح وحقيقتها هجاء مقذع قالها لكافور الأخشيد!

وغاية القول فى هذا السرد أن المجتمع الذى يخلق فيه صاحب الرأى سقفًا لا يتجاوزه أو يلجأ فيه للحيل اللغوية مجتمع وصل مرحلة الخطر، والله أعلم.

احمد الجمالي – المصري اليوم

Exit mobile version