ما الذي تغيّره انتخابات التجديد النصفي في واشنطن؟

كلّما اقتربت الولايات المتحدة من انتخابات التجديد النصفي، يحتدم الجدل حول حجم تأثيرها في مسار الرئاسة والسياسة الخارجية، بين مَن يبالغ في تقدير نتائجها ومَن يهوّن من شأنها. والحقيقة أن أهميتها لا تقف عند قياس شعبية الرئيس دونالد ترمب أو حزبه، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الأدوات السياسية والتشريعية التي تحتاج إليها إدارته لترجمة توجّهاتها إلى قوانين وموازنات وتعيينات والتزامات طويلة الأمد.
في الثالث من نوفمبر 2026، سيُنتخب أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 جميعًا، ويُنتخب 33 عضوًا من أصل 100 في مجلس الشيوخ، إضافةً إلى انتخابين خاصين على مقعدَي فلوريدا وأوهايو، لإكمال المدتين غير المكتملتين اللتين تركهما ماركو روبيو وجيه. دي. فانس.. وتفسّر القراءة التاريخية جانبًا من حساسية هذا الاستحقاق؛ إذ غالبًا ما يدفع حزب الرئيس (الحاكم) كلفة الحكم في انتخابات التجديد النصفي، وإن كان أثرها أشدّ وضوحًا في مجلس النواب. فمنذ عام 1938 وحتى انتخابات 2022، خسر حزب الرئيس مقاعد في مجلس النواب في عشرين من أصل اثنتين وعشرين انتخابات نصفية، بينما خسر مقاعد في مجلس الشيوخ في خمس عشرة دورة، مقابل مكاسب في ست دورات.
ولهذا فقد تتحول خسارة أحد المجلسين إلى قيد سياسي يغيّر طريقة حكم ترمب، وإن لم تغيّر توجّه الإدارة الأساسي. فإذا انتقلت أغلبية مجلس النواب إلى المعارضة، استطاعت أن تعطّل جانبًا من الأجندة التشريعية لترمب، وأن تشدّد الرقابة وتفتح التحقيقات. أمّا انتقال مجلس الشيوخ إلى المعارضة فينعكس بصورة مباشرة على قدرة الرئيس على تمرير تعيينات السفراء والقضاة، وعلى المعاهدات التي تتطلب موافقة ثلثي أعضاء المجلس الحاضرين.
وتزداد حساسية هذه الحسابات مع ضيق الفارق بين الحزبين. فحتى مطلع أكتوبر 2026، يضم مجلس النواب 218 جمهوريًا و214 ديمقراطيًا ومستقلًا واحدًا، مع مقعدين شاغرين، ما يجعل انتقال عدد محدود من المقاعد كافيًا لتغيير الأغلبية في المجلس المقبل. أمّا مجلس الشيوخ، فيضم 53 جمهوريًا و45 ديمقراطيًا ومستقلين اثنين يصطفّان تنظيميًا مع الديمقراطيين، ولذلك يحتاج الديمقراطيون إلى أربعة مقاعد إضافية لبلوغ أغلبية 51 مقعدًا.
ولا يعني اقتراب الانتخابات أن البيت الأبيض سيجمّد الملفات الداخلية والخارجية حتى تنقضي، بقدر ما يعيد حساب توقيت القرارات وكلفتها السياسية. فقد تؤجل الإدارة خطوة تخشى انعكاسها سلبًا على الناخبين، وقد تفعل العكس فتسرّع اتفاقًا أو عقوبات أو إجراءً تنفيذيًا يمنحها صورة الحزم والإنجاز قبل الاقتراع، ولا سيّما إذا كان للقرار صدًى في الولايات والدوائر التي تشهد منافسات متقاربة بين الحزبين.
ويظهر هذا الحساب بوضوح أكبر في السياسة الخارجية. فالرئيس يتمتع بهامش واسع في الدبلوماسية واستخدام بعض سلطاته التنفيذية، لكنه ليس مُطلق اليد؛ إذ يحتفظ الكونغرس بسلطة الاعتمادات وبصلاحيات دستورية في قضايا الحرب، ويبقى لمجلس الشيوخ بوابة التعيينات والمعاهدات. ومن ثمّ يصبح أثر الانتخابات أكبر كلّما احتاج القرار الخارجي إلى تمويل مستمر أو غطاء تشريعي أو ترتيبات طويلة الأمد.
وتراقب عواصم الحلفاء والخصوم احتمالات تغيّر موازين الكونغرس بدقّة، وقد يسارع طرف إلى إنجاز تفاهم قبل الانتخابات، فيما يفضّل آخر إطالة التفاوض انتظارًا لبيئة سياسية أكثر ملاءمة. ومع ذلك، فإن تفسير كل تأخير في الشأن الدولي بالانتخابات الأميركية وحدها يختزل مشهدًا أعقد؛ فالحروب والأسواق والأزمات الأمنية كثيرًا ما تفرض توقيتها على واشنطن، لا العكس.
وثمّة نافذة مهمة بعد الاقتراع نفسه؛ فنتائج الثالث من نوفمبر 2026 لا تسري آثارها فورًا، لأن ولاية الكونغرس الجديد تبدأ في أوائل يناير 2027. وعليه، سيظل الكونغرس الحالي في موقعه نحو شهرين، وقد تتحول هذه الفترة إلى فرصة لتمرير تسويات أو اعتمادات أو قرارات كانت كلفتها الانتخابية أعلى قبل التصويت.
وخلاصة الأمر؛ ربما لا تعيد انتخابات التجديد النصفي رسم السياسة الأميركية من جذورها، لكنها قد تعيد رسم حدود مساحة حركة الرئيس وتكلفة قراراته.. فبضعة مقاعد قد لا تغيّر البوصلة، لكنها قد تغيّر سرعة القرار وحدود القدرة على تنفيذه.
قال ومضى:
في واشنطن تقول المحصلة، قد تتبدّل المقاعد ولا يتغير اتجاه البوصلة.
د. فايز عبدالله الشهري – جريدة الرياض
