ليست المجتمعات القوية تلك التي تتكاثر فيها الثروات والمباني، بل التي تتآلف فيها القلوب، وتصان فيها الحقوق، ويأمن الإنسان فيها على كرامته ورزقه. ومن أبلغ الوصايا النبوية التي ترسم معالم هذا المجتمع قول الرسول ﷺ: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا». رواه مسلم.
هذه الوصايا الخمس ليست مجرد توجيهات أخلاقية متفرقة، بل منظومة متكاملة تتجلى معانيها في القرآن الكريم، وتضع أساسًا لعلاقات إنسانية تقوم على المحبة والعدل والتكافل.
فالحسد أول شرخ يصيب جدار الأخوة؛ إذ يجعل الإنسان ساخطًا على ما أنعم الله به على غيره. وقد حذر القرآن من هذا الداء بقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]. فبدلًا من الانشغال بنعم الآخرين، يدعونا القرآن إلى السعي والعمل وسؤال الله من فضله.
أما النجش، وهو المزايدة في ثمن السلعة دون قصد شرائها بقصد خداع المشتري، فيمثل اعتداءً على الثقة التي ينبغي أن تحكم الأسواق. ويتسع المعنى الأخلاقي لهذه الوصية ليشمل صور التضليل التجاري، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:188].
ثم يأتي النهي عن التباغض، ليؤكد أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة مستحكمة. فالقرآن يجعل العدل فوق الخصومة، ويقرر: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة:8]. فالمؤمن لا يسمح لكراهيته بأن تسلبه إنصاف الآخرين.
وأما التدابر، فهو أن يهجر الناس بعضهم بعضًا، ويمنحوا خلافاتهم سلطة تمزيق العلاقات. ولهذا جاء التوجيه القرآني واضحًا: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:10]. فالإصلاح ليس ترفًا اجتماعيًا، بل مسؤولية تحفظ تماسك المجتمع.
وتكتمل الوصايا بالنهي عن البيع على بيع الآخر؛ حمايةً للمعاملات من الإضرار والتنافس غير المشروع. فالقرآن يربط التجارة بالتراضي، ويقول: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:29]. والمقصود النبوي منع التدخل في بيع قائم على وجه يفسده أو يضر بأحد طرفيه، لا منع المنافسة التجارية المشروعة.
إننا اليوم، وسط صخب وسائل التواصل، واحتدام المنافسة، واتساع الخلافات، أحوج ما نكون إلى استحضار هذه الوصايا في بيوتنا وأسواقنا ومؤسساتنا.
فالرسالة القرآنية النبوية واضحة: لا تُبنى الأخوة بالشعارات، وإنما بقلوب تخلو من الحسد، وألسنة تبتعد عن البغضاء، وأيدٍ لا تمتد إلى حقوق الآخرين. وحين تصبح الأخلاق ممارسة يومية، يتحول المجتمع من ساحة للتنازع إلى وطن للمودة والرحمة.
د. فاطمة سعد النعيمي – الشرق القطرية

