قرأت قبل أيام تقريراً فى نيويورك تايمز عن وزير الصحة الأمريكى روبرت كينيدى الابن. الإفصاح المالى الأخير كشف عن أربعة ملايين دولار سلفة كتب من دار نشر يملكها صديق قديم يدير فى الوقت نفسه شبكة من الكيانات المرتبطة بأجندة الوزير، وعن هدايا إقامة وسفر تتجاوز ربع مليون دولار، وعن أتعاب استشارية لزوجته من منظمة تدعو لسياسات يشرف عليها زوجها.
خبراء الأخلاقيات قالوا إن الصورة «تبدو سيئة»، حتى لو كانت كل الأوراق معلنة. ما لفتنى فى القصة ليس الرقم وحده، بل التشابك: الناشر صديق، والمنظمات حليفة، والشركات الراعية لها مصالح أمام الوزارة، والموضوعات التى يكتب عنها الوزير هى نفسها الملفات التى يقرر فيها.
الإفصاح موجود، والقواعد القانونية ربما لم تُخرق حرفياً، لكن الثقة العامة اهتزت. وهذا هو جوهر المسألة.
الموضوع أعادنى إلى قرارات اتخذتها بنفسى قبل أكثر من عشرين عاماً. فى عام ٢٠٠٢ كنت رئيساً للجنة التعليم فى البرلمان. عرض عليّ وزير التعليم العالى آنذاك أن أتولى رئاسة جامعة القاهرة. كان العرض حلماً أكاديمياً لأى أستاذ، وكنت فى الحادية والخمسين.. اعتذرت.. السبب بسيط وحاسم: أنا أحاسب الوزير والجامعات، فلا يجوز أن أجلس فى الوقت نفسه على رأس أعرق جامعة فى مصر. تضارب المصالح هنا ليس احتمال استفادة مالية، بل احتمال أن أفقد القدرة على الرقابة النزيهة، أو أن يظن الناس أننى فقدتها.
ومرة أخرى هذا كان حلماً أكاديمياً. فى عام ٢٠٠٤ عُرض علىَّ منصب وزير الصحة. اعتذرت مرة أخرى. كنت أملك وأسرتى واحدا من أكبر المستشفيات الخاصة فى مصر، وكنت قد أسست، أول شركة تأمين صحى فى القطاع الخاص. رأيت أنه مهما فعلت من فصل أو تجنّب، سيبقى الظل قائماً: أن قرارات الوزارة قد تُفسر على أنها خدمة لمصالحى أو لمنافسيّ.
رأيت أن المنصب يستحق من يدخل إليه وهو خالى اليدين من هذا النوع من الارتباط، أو على الأقل من يدخل وقد حسم الأمر علناً وبوضوح لا يقبل التأويل.
هذه القرارات لم تكن بطولة. كانت حساباً بسيطاً: السلطة العامة ليست ملكاً لصاحبها، والشك فى نزاهتها يضر بالمؤسسة أكثر مما يضر بالشخص.
ومع ذلك، كلما فكرت فى الأمر أدركت حقيقة أخرى: تداخل السياسة مع المصالح الشخصية لا يمكن الفرار منه بالكامل. من مارس المهنة، أو أدار مؤسسة، أو بنى مشروعاً، يدخل المجال العام وهو يحمل خبرة وحملًا فى آن واحد. إذا أغلقنا الباب أمام هؤلاء، فسنترك السياسة لمن لم يختبر الحياة العملية، لمن لم يدير مستشفى أو جامعة أو شركة، لمن يعرف النصوص ولا يعرف التطبيق.
المجتمع المدنى والقطاع الخاص ليسا خصماً للسياسة؛ هما مصدر خبرة يجب أن يدخل، بشرط أن توضع قواعد واضحة لا تترك الأمر للنوايا الحسنة وحدها.
وهنا ينبغى أن نفرّق بين مفهومين يُخلط بينهما كثيراً: تعارض المصالح وتعارض الولاءات.
تعارض المصالح، فى معناه الشائع، مادى أو موقعى: مال، عقد، منصب، ملكية، أتعاب، هدية، ترقية لابن أو زوجة. هو الخوف من أن يميل القرار نحو منفعة يمكن قياسها. لهذا وُضعت قواعد الإفصاح والامتناع والبيع والتوكيل. وهو النوع الذى واجهته فى ٢٠٠٢ و٢٠٠٤، وهو النوع الذى يظهر بوضوح فى سلف الكتب وأتعاب الزوجة والهدايا فى قصة الوزير الأمريكى.
تعارض المصالح قد يظهر على المستوى الفردى عندما يكتب الطبيب دواء أو يستخدم أجهزة لشركة تدفع له تذاكر السفر أو الإقامة فى فندق حتى لو كان ذلك لمؤتمرا علميا.
أما تعارض الولاءات فأدق وأخفى. لا يحتاج إلى شيك. يكفى أن تكون الدائرة الضيقة — الأصدقاء، الحركة، القضية، الشبكة القديمة، من «يفهمونك» و«يؤمنون بما تؤمن» — هى المرجع العاطفى والذهنى للمسؤول. عندها لا يسأل نفسه: «هل أستفيد؟» بل يسأل، من دون أن يشعر: «هل أخون جماعتى؟ هل أخذل من وقفوا معى؟ هل أخرج عن الرواية التى بنيناها معاً؟» الولاء هنا ليس رشوة، لكنه أسر. وقد يكون أشد خطراً لأنه يبدو نبيلاً: وفاءً، انسجاماً فكرياً، دفاعاً عن قضية.
فى حالة كينيدى يتداخل النوعان. المال موجود، لكن الولاء أيضاً موجود: شبكة الحركة الصحية التى ينتمى إليها، الناشر الصديق، الحليف الأمنى الذى يشاركه الشك فى اللقاحات ويكتب فى الدار نفسها. حتى لو رُدّت كل السفن المالية، يبقى السؤال قائماً: هل يستطيع الوزير أن ينظر إلى الملف العلمى نظرة من لا ينتمى إلى معسكر؟ تعارض الولاءات لا يُحل بالإفصاح وحده. يُحل بالانفصال الواعى عن الدائرة، أو بالانسحاب من الملف، أو بالاعتراف العلنى بأن الانتماء قائم وأن الضمانات المؤسسية — لا الضمير الفردى فقط — هى الحارس.
هذه التفرقة مهمة لسبب آخر: الإنسان السوى قد يرفض المنفعة المالية رفضاً قاطعاً، ومع ذلك يبقى أسيراً لولاء قديم. وعندها يستخدم الخصوم الصورة ضده، لا لأنه أخذ، بل لأنه «منهم». فيصير المبدأ سلاحاً: تُرفع تهمة تعارض المصالح على من لم يستفد، بينما يُغفر لمن استفاد إذا كان خارج دائرة الاتهام السياسى. القانون يحمى من النوع الأول أكثر مما يحمى من الثانى. والرأى العام يخلط بينهما فيحمّل النزيه وزر الشبكة، أو يبرئ المرتبط إذا أحسن الكلام عن القيم.
لذلك لا يكفى أن يقول المسؤول «أنا نزيه». النزاهة الحقيقية تحتاج إلى أربعة أمور معاً:
الأول: الإفصاح الكامل والمبكر، لا المتأخر.
الثانى: الانسحاب الفعلى من الملفات التى تمس المصلحة أو العلاقة أو الولاء، لا الاكتفاء بالكلام.
الثالث: الوعى بأن الولاء العاطفى لجماعة أو قضية قد يُعمى كما يُعمى المال، وربما أشد.
الرابع: ثقافة عامة تفرق بين الشبهة الحقيقية والشبهة المصطنعة، حتى لا يتحول المبدأ إلى أداة تصفية.
السلطة الصحية، أو التعليمية، أو أى سلطة تمس حياة الناس، أخطر من أن تُدار بعلاقات صداقة وتمويل متشابك، وأخطر أيضاً من أن تُدار بولاء مغلق لمعسكر. وهى فى الوقت نفسه أخطر من أن تُترك لمن لم يمارس ولم يختبر.
الحل ليس طرد أصحاب الخبرة، ولا التساهل مع التشابك. الحل قواعد صارمة، شفافية لا تهادن، واستعداد الشخص نفسه أن يضحى بالمنصب إذا تعارض مع قدرته على أن يُصدَّق: لا من جمهوره فقط، بل ممن يختلفون معه أيضاً.
حسام بدراوي – المصري اليوم

