Site icon كوش نيوز

«المطوعون» الجدد فى الجامعات المصرية

تكتسب بعض الوقائع قيمتها من الدلالة التى تمثلها ومن المعنى الذى ترمز إليه، من هذه الوقائع المتكررة الاعتراض على ملابس بعض الطالبات فى الجامعة وفقًا لوجهة نظر صاحب الاعتراض ولتصوره الشخصى عما يجب ارتداؤه هنا وما لا يصح ارتداؤه هناك وكأن الفضاء العام ملك له شخصيًا أو كأن الجامعة جزء من أملاكه الخاصة يستطيع أن يحدد مواصفات الفضيلة والرذيلة داخلها وفقًا لفهمه الخاص وثقافته الشخصية وكأننا نرجع عشرات السنوات إلى الوراء أو كأننا نتقدم للوراء لا للأمام.

إن الجامعة نفسها هى أهم مؤسسات الحداثة فى المجتمع، أى أنها مؤسسة تقوم على احترام العلم، والفردية، والحرية الشخصية فى حدود القانون، إنها مختلفة مثلًا عن (الكتاب)الذى كان صاحبه يوسع التلاميذ ضربًا وسبًا ويفرق بينهم بحسب حالة أسرهم المادية على حد ما حكى طه حسين فى سيرة حياته، ولأن الجامعة كانت أهم وسائل تحديث المجتمع فقد استهدفها المتطرفون منذ زمن طويل.

فقد نقل حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان نشاطه للقاهرة خصيصًا كى يتمكن من تجنيد طلاب الجامعة ومنهم كان أعضاء الجهاز الخاص وقيادات الجماعة مثل سعيد رمضان طالب الحقوق وعبدالحكيم عابدين طالب الآداب ومحمود عبدالحليم طالب الزراعة وعبدالرحمن السندى الذى ترك الجامعة كى يتفرغ للإرهاب، وقد تكررت الكرة مرة أخرى فى بداية السبعينيات حين استطاع إخوانى متخف هو محمد عثمان إسماعيل أن يقنع الرئيس السادات بتأسيس جماعات دينية مختلفة فى الجامعات بغرض قمع التيارات الأخرى المعادية، والحقيقة أن أفكار هذه الجماعات مازالت تسيطر على بعض الجامعات لدينا وعلى بعض المسئولين فيها ! وهذه مشكلة يجب أن ننتبه لها، فهناك فرق بين الحفاظ على التقاليد المصرية وبين قهر الطلاب والطالبات وإرغامهم على ما لا يقتنعون به وكأننا -لا سمح الله -دولة يحكمها الإخوان أو جماعات الإرهاب.

لقد كنت أقرأ فى مذكرات عثمان إسماعيل الذى لعب دورًا محوريًا فى تاريخ مصر وأثر فى المجتمع سلبيًا حتى الآن وقد أخذ يروى كيف أنه فشل فى عقد صفقة مباشرة بين السادات وبين مرشد الإخوان فهداه تفكيره إلى حل بديل وهو أن يؤسس جماعات دينية تدين بأفكار الإخوان ولا تنتمى إليهم مباشرة مستغلًا الإمكانات المالية التى توفرت له كأمين عام للاتحاد الاشتراكى ! وهو يقول أن الرئيس السادات وافق على تحويل بعض العمارات السكنية التابعة لمحافظة القاهرة لمعسكر تدريبى دائم يقيم فيه أعضاء هذه الجماعات حتى يتم تلقينهم بالأفكار المتطرفة لكن محافظ القاهرة تعلل بعدم وجود عمارات كافية، لكن هذا لم يمنع إسماعيل من تنفيذ خطته فأسس هو ورجاله جماعة تابعة له أطلق عليها اسم (شباب محمد بن عبدالله) وكأنهم يسيئون لاسم الرسول الكريم بإطلاقه على جماعة عميلة يعمل أعضاؤها بالأجر ويدعون التدين لتحقيق هدف سياسى رخيص، وهو يقول أن هذه الجماعة بدأت فى كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وانتشرت فى كليات أخرى، ثم إلى جامعات أخرى مثل الإسكندرية، وأسيوط، وأنهم نجحوا فى الانتشار وسيطروا على الاتحادات الطلابية ومنعوا الحفلات الفنية بحجة أن الفن حرام شرعًا، ومنعوا تكوين الأسر الطلابية المختلطة ثم منعوا اختلاط الطلاب والطالبات داخل المدرجات!وهو يرى كل هذه الخطوات على أنها إنجازات، وهو يروى أن الجماعات توسعت فى تنظيم رحلات الحج والعمرة للطلاب -السبب سياسى وليس دينيا -وأن دور الدولة كان تخفيض ثمن الرحلات للنصف باتفاق مع وزير الطيران أحمد نوح، ثم ترتيب إقامة مجانية للطلاب فى التكية المصرية بمكة بدعم من وزارة الأوقاف ثم الحصول على حقائب تغذية مجانية من شركات القطاع العام المصرية! وتمتلئ مذكرات الرجل بالكثير من هذه القصص التى تكشف كيف تم استخدام الدين لأغراض سياسية ضيقة.

وكيف مولت أموال المصريين جماعات الإرهاب التى سفك أعضاؤها دماء أبناء الشعب المصرى على مدار عقود طويلة… ولا شك أن هذه القصص من الماضى لها علاقة أكيدة بما نطالعه من قصص عن عميد الكلية الذى يعترض على ملابس طالبة، أو موظف الأمن الذى يعترض على (بنطال) طالبة أخرى فما زرعته هذه الجماعات تحول إلى أفكار راسخة فى عقول بعض الأساتذة والعمداء الذين كانوا براعم صغيرة فى وقت سيطرة هذه الجماعات الممولة ذات الأفكار الإرهابية والولاء المباشر لجماعات الإرهاب، إن سلوك بعض المسئولين فى الجامعات يشبه للأسف سلوك جماعات (المطوعين )التى اختفت مؤخرًا من بعض البلاد العربية الشقيقة لتظهر عندنا، لقد كان (المطوعون )نوعًا نادرًا من أنواع (الشرطة الدينية )يتبعون هيئة معينة، ويحملون فى أيديهم عصيًا رفيعة، وكان من سلطتهم اعتراض النساء فى الشوارع للاحتجاج على ملابسهن.

وكان العضو فى جماعات المطوعين هذه يلعب دور السلطة القضائية والتنفيذية، الدينية معًا، فهو من خلال نظرة سريعة يصدر الحكم على مظهر السيدة التى يصادفها فى الطريق، وبعد ثانية واحدة يبدأ فى تنفيذ الحكم من خلال العصا التى يحملها فى يده، ثم يأمر السيدة بالعودة إلى المنزل أو بما يعن له من تعليمات، وقد اختفى هذا النوع من (المطوعين )من المجتمعات التى ظهر فيها بعد سنوات طويلة، وكان ذلك نتيجة قرارات جريئة ومستنيرة من حكومات تلك البلاد التى أدركت أن ما كان يصلح للماضى لم يعد يصلح للمستقبل، ومن الغريب جدًا والمؤلم أن تظهر مثل هذه الممارسات فى جامعات مصر التى شهدت انضمام أول خمس طالبات للدراسة بها عام 1929 أى منذ 97 عاما كاملة، دون أن يجرؤ طالب أو أستاذ أو موظف على اعتراض طريق أى طالبة من الطالبات المصريات.فإذا كانت المجتمعات حولنا تتقدم للأمام فهل نحن نتقدم للوراء؟

ومن المؤسف جدا أن يتخيل بعض المسئولين فى جامعات مصر المختلفة أن التنطع على الآخرين والتحكم فى مظهرهم هو الطريق لكسب الحسنات، فى حين أن طريق أى انسان لجنى الحسنات هو إتقان العمل، ومساعدة الآخرين وليس مضايقتهم، إننى ما زلت أذكر جيدًا فيديو شهيرا انتشر منذ ثلاث سنوات تقريبًا يصور طالبة إيرانية أصيبت بلوثة عقلية فتجردت من ملابسها كاملة داخل الجامعة، وكانت المفاجأة فى رد فعل عشرات الطلاب من حولها.

حيث لم يتوقف واحد منهم كى ينظر لها، أو يعترض طريقها أو يسترق النظر لما لا يحق له أن ينظر له، ولعل السبب الحقيقى أن كل طالب كان مشغولًا بما يجب أن ينشغل به فى الجامعة وهو طلب العلم وتحقيق الأهداف الدراسية.

إننى أطلب من السيد وزير التعليم العالى بشكل واضح إصدار توجيه للجامعات المختلفة بأنه لا يحق لها ولا للعاملين فيها الاعتراض على ملابس الطلاب والطالبات مادامت فى حدود المواصفات القانونية وكود الملابس المتعارف عليه فى كافة مؤسسات الدولة المصرية، فمن الطبيعى جدا إننا لا نذهب للعمل بملابس النوم مثلا، لكن هذه مسألة مختلفة تمام الاختلاف عن الاعتراض على ملابس الطالبات لأسباب أخلاقية تخص ثقافة الشخص المعترض، وتمثل جرحًا للطالبة واعتداء على حريتها الشخصية وممارسة للاستعلاء باسم الدين أو باسم الأخلاق وكأننا نعود للوراء ولا نتقدم للأمام أو نستورد ممارسات الحسبة والتطويع بعد أن هجرها أصحابها وأعلنوا براءتهم منها.

وائل لطفي – بوابة روز اليوسف

Exit mobile version